تعـودت
**********
تعودت منذ أن بدأت عملي .. أن أرى بائعة الجرجير تأتى في نفس موعد وصولي عند مدخل الشارع المطل على الميدان كل يوم .. ذلك الموعد الذي نادرا ما أتأخر عنه ، و قد أثارت دهشتي انضباطها الشديد في موعد مرورها .. على الرغم من مظهرها الذي لا يمت للمدنية بأي صلة ، حتى أنى قد تعودت أن اضبط ساعة يدي على موعدها و هي تدخل الشارع و تحمل فوق رأسها سبت الجرجير و تنادى عليه بصوت واهن أقرب إلى صوت الموت منه إلى المناداة ..
ظل مرورها هكذا منضبطا قرابة الإحدى عشر شهرا .. و على الرغم من شفقى على حالها .. لم أحاول يوما سؤالها عن أحوالها أو مساعدتها بشراء الجرجير منها . و مع بداية اليوم الأول للشهر الثاني عشر قررت أن أتحدث إليها ، فخرجت من منزلي مبكرا_ و أنا مصممة على انتظارها كي أكلمها _ على الرغم من تأكدي من حضورها في نفس موعدها .
مر الوقت متثاقلا و أنا منتظرة .. انظر تارة إلى ساعتي .. ثم أعاود النظر إلى ساعة الميدان .. حتى دقت ساعة الميدان معلنة تمام الثامنة .. فطرق القلق بمطرقة حديدية على أعماق قلبي .. كيف تتأخر تلك البائعة المنضبطة ؟! و بعد أن كنت اجلس في سيارتي منتظرة حضورها .. إذا بي أغادرها في قلق جم و أتلفت باحثة عنها يمينا و يسارا .. كأني ابحث عن ابنتي التائهة .. فلفت انزعاجي المارة الذين التفوا حولي عارضين المساعدة على، فشكرتهم بهدوء و رحلوا سريعا كل ٍ إلى عمله .
ظللت اليوم كله منتظرة حضورها في أي لحظة .. حتى مر بي عدد كبير من زملائي في حضورهم و في مغادرتهم للشركة و هم يتساءلون عن سر وقوفي في ذلك المكان و التلفت حولي كمن يبحث عن شئ هام فقده . . دون أن استطيع أجابتهم .
عدت إلى منزلى في وقت متأخر في محاولة فاشلة لرؤيتها .. و قررت أن ابحث عنها بصورة أكثر فاعلية في اليوم التالي ، فكان أول ما فعلته في الصباح أن ذهبت إلى شرطي المرور المسئول عن الميدان و سألته إن كان يعلم شئ عنها ، فلم يروى عطشى الشديد ، فظللت طوال الأسبوع لا افعل شئ سوى البحث عنها حتى مرت بائعة جديدة للجرجير في الشارع ، و هي فتاة صغيرة تنادى بصوت رفيع عليه ، فسألتها في يأس إن كانت تعرفها ، فردت الفتاة _ وهى تقرب منى سبت الجرجير لعلى اطلع عليه فاشترى منها _ بأن البائعة قد رحلت كما سنرحل جميعا .هنا فقط شعرت بتغير كل شئ داخلي ، كأن أعضائي غيرت أماكنها دون أن آذن لها ..
هنا فقط تبينت أنني كنت واهمة حين اعتقدت أن حياتي استقرت في تلك الوظيفة .. في ذلك الشارع .. في تلك الحياة، فكان لابد من ترك تلك الوظيفة التي جعلتني تعودت .
خيرٌ من ألف طائر
***************
ظلت تتأمل ذلك الوجه المشع بنوره الرباني التي لا تتوقف شفتا صاحبته عن التمتمة بالدعوات طوال الوقت. و للحظات تمنت أن تملك نصف ما تملكه تلك المرأة من نفس ٍ طاهرةٍ لكنها كلما نظرت إلي صفحات حياتها المكتوبة تمنت أن لم تكن ولدت قط.
غادرت الغرفة لتنكفئ على نفسها في صومعتها.. تتجول في أيامها الماضية، و تتصفح أوهاما رسمتها و مازالت بيد محترفة.. لم يكن ذاك الطريق الذي شقته لنفسها بجنون يرهبها لكنها الآن باتت تختنق كلما تذكرت ما ردمته من أشياء من أجله.انفتحت تلك الصفحة في ذاكرتها علي دمعة هربت من عينه و هي تخبره أن يرحل عن عالمها و تمنت لو عادت لتمسحها بيدين كانت تحملان البراءة منذ زمن بعيد لكنها (لو) اللعينة دائما تسبق الجمل الميتة.
تناثرت الذكريات بعقلها و بدت أشبه بقصاصات ممزقة لكنها رغم ذلك لملمت شتات نفسها و جلست تدون في قلبها مشاعر لم تغادرها قط رغم التشوهات التي تزداد بداخلها.. نظرت عبر المرآة و انجلت الحقيقة فها هي تدفع ثمن اختياراتها..و ها هو على بعد خطوات من شرفتها يتمتع بطائره الوديع بين يديه و الذي خير منها تلك التي تساوي ألف طائر على الشجرة.
طلاق
*******
تجلس شامخة.. تضع عينيها في عينيه، كأنها تتحداه رغم طريق الحزن المحفور بهما.. تبدو كأنها تخبره ألا يحاول إحياء أمل مات على يديه أما هو فتتوسل القطرات في عينيه لها أن تصرخ بلا. تقرأ صرخته .. تحاول بيأس أن تفتش في ذكرياتهما عما يساعدها لتساعده .. تتجول بعينيها في أركان شقتها، فلا يزور عقلها سوى ذكريات الدموع.
تتصفح ذكرياتها مع تجول عينيها في أركان المكان. هنا في هذا المقعد الجالس عليه الآن تعلمت البكاء لتأخره المستمر دون أن يجيب على هاتفها حتى احترفته. و على تلك الكنبة نامت مع دمعتها ليال طويلة دون أن يلاحظها فعلمت أنه لا طائل من الدموع سوى الكآبة فهجرتها. و في تلك الغرفة لطالما كانت تخبره قبل زواجهما أنها غرفة الأحلام لكنها لا تتذكر منها سوى محدثاتهما الفاشلة كي لا تأتى تلك اللحظة.
تخرج من شرودها على صوت الرجل الغريب يسألها للمرة الأخيرة فتقول و هي تنظر له و قد ملأت عينيها الدموع:
_ طلقني الأمل و طلقته منذ سنوات و اليوم جاء دوره.
بريق الظلام
_ تعشقين رسم نفسك.
اخترقت الجملة أذنيها فرفعت رأسها لتبصر صاحب الصوت. كانت نظراتها إليه يملؤها الدهشة لكنها لم تستطع أن تعلق فعادت إلي ورقتها تستكمل رسم النجوم دون أن تعبأ بوجوده. هي تعشق النجوم و كثيرا ما نأت بنفسها عن الرد على تعليقات الآخرين على رسمها لها لكنها لم تستطع أن تتجاهل هذا التعليق رغم تجاهل صاحبه.
منذ متى بدأت رسم النجوم؟ لا تذكر، فقط تذكر أنه منذ زمن بعيد جدا يوم أن كانت تحمل لقب طفلة. كان مدرسوها يقولون عنها بلهاء لأنها لا تسعى إلي التفوق لتحصل على النجمات الذهبية على كراساتها لكنها طالما سخرت منهم لأنهم لم يستوعبوا أن نجماتهم الذهبية مزيفة مقارنة بنجماتها التي تزين كل أوراقها.
في الجامعة كانت ورقة الأسئلة تتحول إلي لوحة نجوم فلا تسلم من مضايقات مراقبي الامتحانات لها. تتذكر أنها في يوم طلبت منها المراقبة تسليم الورقة مادامت توقفت عن الإجابة. يومها نظرت لها بسخرية و قالت و هي تعيد نظرها إلى ورقة الأسئلة:
_ لم ينتهي الوقت بعد.
هل كانت تساعدها النجوم على التذكر؟! كثيرا ما سألت نفسها ذلك السؤال دون إجابة فهي لم تحاول في يوم هجر نجومها.
عاد صوت زميلها يخترق أذنيها و لكن تلك المرة و هو يجلس قبالتها قائلا:
_ منذ أن عرفتك و أنت ِ كالنجمة التي لا تريد لأحد أن يصل إليها.
بدا في عينيها أبله و هو يتظاهر أنه يعرفها عن قرب. و تجاهلته للمرة الثانية و استسلمت لنجماتها التي عادت لنقشها على كتابها. لكنها بدت تلك المرة نجمات حزينة على غير المعتاد و أثارت في نفسها شجن لم تعتده من قبل. هل هذا كله لأن كمال تحول خلال بضعة أشهر من طالب تكاد عينيه تلتهمها في أوقات الفراغ القليلة بين المحاضرات إلى معيد ميت الملامح أم أن الأمر لا يتعدى نوبة حزن من نوباتها التي اعتادتها؟
همت بإغلاق الدفتر على نجماتها الغالية الحزينة في الوقت الذي لمحت فيه كمال و هو يغادر المبني. و توقعت أن تخترق الغيرة ملامحه الجامدة لتعكر صفوها لكن عينيه مرت علي وجهها كمن ينظر من سيارة مسرعة، فاستكملت مغادرتها لكن الشاب استوقفها قائلا:
_ هو يعرف أنه لن ينالكِ إلا بعد عشرون سنة على الأقل، فلا تحزني.
فنظرت له قائلة بسخرية قبل مغادرة المكان:
_ هل تُرى النجوم إلا في الظلام؟
18/1/2009
أحضان الوهم
لم تشعر في جلستها تلك أنها تستطيع التوصل لقرار، فكلماته الصادمة لها مازالت تلقى في وجهها كأنه لم يمر عليها ثلاث ليالي. بدت كمن يفكر في قرار مصيري لكنها رغم ذلك ابتسمت بمجرد أن سمعت صوت المفتاح يدار في الباب. انتظرت أن تراه يدخل عليها بوجهه الخجول ليعتذر لها عن نوبة غضبه كما يفعل دائما لكن الدقائق مرت دون أن تسمع خطواته تقترب من باب الغرفة. ودت لو أتى إليها بعد سفره المفاجئ فاتحا ذراعيه هامسا باسمها.. فقط أسمها هو كل ما تتمنى أن تسمعه لتنسى كل شيء. لكن الصمت هو كل ما سمعته.
مرت الدقائق ببطء ليعلن عقرب الساعة مرور ساعة على ذلك الصمت. فتسللت خارج الغرفة. بحثت عنه في الغرفة المجاورة لكنها لم تجده ثم خرجت للصالة تتجول بعينيها في كل ركن فيها لكنها لم تلمح حتى ظله. عادت إلي غرفتها لكنها تسمرت عند عتبة بابها قبل أن تدخلها على أطراف أصابعها.
كان متكورا في حضن السرير كجنين في رحم أمه. كم تشتاق لبكائه في حضنها كلما ضاقت عليه الدنيا. مازالت تسمع جملته في أذنيها:
_ إنه المكان الوحيد الذي أستطيع البكاء فيه بحرية.
اقتربت منه. كانت خصلات شعره تخبئ جبينه العريض. أرادت أن تمد يدها لتزيحها و تمسح بكفها عليه كما تفعل كلما رأت الإرهاق باديا على وجهه لكنها وقفت تتأمله. أطلقت زفرة حارة و هي تنظر لإطراف أصابعها في خجل فلطالما داعبت بها تلك الشعيرات النابتة في ذقنه و هو نائما لتوقظه لكنها الآن لا تستطيع إيقاظه.
لاحظت العرق المتسلل إلى جبينه. كان نائما بملابسه فتعجبت! هو يكره النوم بملابس الخروج. مطت شفتيها و هي ترى خصلات شعره الغارقة في عرقه. بدا أكثر أغراء في نومته الحزينة تلك، كادت تصرخ فيه مصرحة بالأمر، لكن كبرياءها قفز أمام عينيها مذكرا إياها بما فعله.
تحرك في السرير فانتفضت متراجعة للخلف مخافة أن يراها واقفة تتأمله لكنه لم يفتح عينيه قط بل عاد لتكوره و لكن في الجهة المقابلة لتختفي ملامح وجهه كليتا عنها. لمحات من شجارهما الأخير بدأت في القفز أمام عينيها. لكنها طردتها سريعا و توجهت للجهة الأخرى من السرير لتتمكن من رؤيته.
_مجنونة.
خرجت الجملة من فمها دون إرادتها فهكذا رأت نفسها في تلك اللحظة. لم تستطع أن تتمسك بغضبها منه. فقط أرادت أن تتأكد إن كان يحبها كما تشعر أم أن الأخرى غلبتها؟
جلست على مقعد مواجه له. كانت ملامحه تنطق بالندم، السواد الذي أسفل عينيه يقسم أنه لم ينم الأيام الماضية. و الشفتين الباهتتين يعلنان أنهما في حاجه لمن يحيهما. و الوجه الشاحب يصرخ بعذاب صاحبه. لم تستطع أن تحتمل أكثر من ذلك. فانسابت دموعها رغما عنها.
غادرت المقعد مسرعة راجيةً في الهروب خارج الغرفة قبل أن يرتفع صوت بكائها لكنها بمجرد أن وقفت إذا بيده تمتد تخطفها من مكانها لتكورها في ثانية في حضنه على السرير। ألتفتت له و شحنات الغضب تتطاير من ملامحها لتصرفه لكن ما أن التقت عينيها بعينيه حتى ذاب كل شيء. كان عليها أن تقاومه و لو لثانية و هو يمد كفه ليداعب وجهها انتصارا لكبريائها المجروح لكنها بدلا من ذلك دفنت وجهها في كفه فضمها إليه أكثر.
.~.~.~.
فتحت عينيها. كان يغط في نوم عميق و قد دفن رأسه في حضنها. ظلت صامته في جلستها تلك فترة ثم حاولت أن تغادره لتعيد ترتيب أعصابها التي تلاعب بها بين يديه منذ قليل لكن يده التي أعادتها إلي مكانها أفزعتها فقالت بعد أن هدأت:
_ متي يحين لنا الكلام؟ أحتاج للكلام.
تحرك في السرير و قال و هو يرفعها معه ليستندا إلى ظهر السرير:
_ فلننسى ما حدث فلنجعله ماضي. لن يفيد الكلام الآن.
عضت على شفتيها قائلة:
_ لماذا كلما حدث حوار بيننا في غير الحب توأده؟! لماذا لا يمكننا الحديث في مشاكلنا؟!
تطلع إليها. كانت عينيها ممتلئة بالدموع فمسحها بكفه ثم قال:
_ تعلمين أننا كلما تحدثنا عن مشاكلنا تفاقمت أكثر. فلنتركها.
مسحت بكفها على خده قائلة:
_ لكننا نتركها دائما.
_ و لماذا نهتم بها ما دامت تضايقنا؟!
وغادر السرير في طريقه إلى الحمام. فقالت بغيظ:
_ فلتهرب من حديثنا كما تهرب دائما؟
ألتفت لها. كان وقع الكلمة في نفسه قويا فقال و هو يجز على أسنانه:
_ لست خائفا لأهرب، فكل ما أبغي هو تجنب المشاكل.
_ لكن هروبك لا يحلها و لكن يؤجلها.
أمسكها من معصمها و صرخ فيها قائلا:
_ قلت لست بجبان لأهرب. حاولي أن تستوعبي ما أفعله. أنني أتجنب الصدام معك ِ للحفاظ على هذا البيت.
أغمضت عينيها و تفجرت الدموع منهما كالشلال، فجذبها إليه و ضمها إلي صدره و هي تقول:
_ إنني متعبه. أحتاج لحل كل تلك المشاكل المؤجلة و ليس تجاهلها و تجنبها كما نفعل.
ربت على رأسها و أخرج زفرة حارة و قال بصوت بدا قادما من أعماقه:
_ صدقيني، لو كان بيدي الحل لحللتها.
ثم رفع رأسها لأعلى لتواجه عينيه عينيها قائلا:
_ لو كان بيدي شيء ما ترددت لمناقشة و حل كل مشاكلنا.
أطلقت زفرة حارة ثم قالت بيأس و هي تبتعد:
_ إذا لا حل.
لكنه جذبها إليها قائلا:
_ الصبر. فقط الصبر.
_ و الأخرى؟
تراجع مبتعدا عنها و جلس على اقرب مقعد و هو يقول:
_ لا أحد يأخذ كل شيء. و أنا قد اخترتك.
_ لكنك تحبها.
أغمض عينيه كأنه يستمد منهما القوة و قال و قد فتحهما سريعا:
_ بل أحبك. و كفى حديثا عنها.
_ لا، تحبها. ألا ترى وجهك كلما تحدثت عنها؟!
أقترب منها و قال بصوت هادئ و هو يطوق خصرها بيديه:
_ نسمه. كفى حديثا عنها.
_ بل يجب أن تعترف أنك تحبها. هي حبك الأول و الأخير و ستأتي لك بالطفل الذي تبغيه.
نظر لها متأملا وجهها. بدت عينيها كقطعتين من الياقوت اللامع فقال باسما:
_ إنك لست نسمه بل إعصار نكد.
و أخذ يقهقه عله يخرجها من حالتها تلك لكنها قالت و هي تجلس على طرف السرير:
_ الوقت لا يصلح للمزاح.
و نظرت له نظرة أخرسته، ثم قالت بعد أن هدأت:
_ تلك هي النهاية. فلدينا من المشاكل ما يحتاج إلى قرارات جمهورية لحلها أولها الأخرى.
جلس على ركبتيه أمامها قائلا و هو ممسكا بيديها يقبلها:
_ و لكنى أحبك.
حاولت أن تتماسك حتى لا تسقط مزيدا من الدموع و هي تقول:
_ بل تحب زوجتك و لطالما ظللت زوجتك ستحبني، أما هي فهي حبك في القرب و البعد و احتياجك في كل وقت و سعادتك منذ سنوات.
_ نسمه.
بدا صوته أقرب إلى الاعتذار و طلب الغفران منه إلي الرغبة في الاستمرار ، فانتفضت و قد أحست بالضعف ينخر في أعصابها لكنها رغم ذلك أعطته ظهرها و خرجت من الغرفة مسرعة. توقعت أن يلحق بها فالتفتت لتجد الخواء رفيقها.
مصيـبـــة
اندفع إلي الغرفة صارخا و هو يكاد يمزق الهواء أمامه، فانتفضت مبتعدة عن طريقه حتى التصق ظهرها بالحائط دون أن تجرؤ على الكلام، بل لم تجرؤ علي أن تتحرك قدر أنملة من مكانها. فقط حاولت أن تستقرأ بعينيها ما يبحث عنه. أما هو فلم يعبأ بذعرها بل ظل يصرخ قائلا:
_ إنك ِ لا تفقهين شيء.
عن أي شيء يتحدث؟! لم تجد بعد تفتيش عقلها ما يمكن أن يرشدها لسبب ثورته تلك. فكل طلباته تتحول لديها إلي أوامر تنفذها كعسكري أمن مركزي و رغم ذلك لم تنزع يوما أنوثتها عنها و هي بين يديه.
لم يساهم صمتها في حمايتها من اندفاعه ناحيتها و جذبها من معصمها و دفعها للجلوس علي السرير لذا قررت أن تتسلح بالكلام لكن لإشارة يده أوقفت فمها قبل أن يتحرك.
جلس أخيرا علي مقعد السرير. أرادت أن تجفف عرق وجهه بيدها لكنها تعلم كم يبغض ذلك التصرف حين يكون ثائرا. لذا اكتفت بأن ربتت بيدها علي يده قائلة:
_ عزيزي...
و قبل أن تكمل كانت حرارة يده التي تكفي لإنضاج أثلج طعام في دقائق جعلتها تشهق:
_ يا الله.
أزاح كفها عنه، فوفقت تبغي التصرف سريعا لخفض حرارته لكنه جذبها من يدها و أجلسها مرة أخرى قائلا:
_ فلتذهب صحتي للجحيم.
و أمام جملته الأخيرة استسلمت له ليصبح الصمت هو صاحب الكلمة الأولى بينهما لدقائق. حاولت أن تستخدم خبراتها السابقة معه في القضاء على ثوراته لكنه قال:
_ أين هو؟
_ ماذا؟!
_ قولي من؟ المحروس .. ابنك بالطبع.
تمنت لو تطالبه بالكف عن مناداته بذلك اللقب. أليس هو ابنه أيضا؟ لكنها أمسكت لسانها قبل أن ينطق ، فالموقف لا يحتمل مثل ذلك الكلام ثم قالت:
_ في الجامعة.
الآن تستطيع أن تتبين سبب ثورته. لابد من أنه ...
_ نعم من غيره يستطيع إثارتي بتلك الطريقة فكلما دخلت من بابا الشقة أجده أعد لي مصيبة جديدة.
أجفلت الزوجة من كلمة مصيبة. تري ماذا فعل ابنهما تلك المرة؟؟ هي تتذكر مشكلة الأسبوع الماضي حين أخذ السيارة دون أذن والده و عودته في صباح اليوم التالي و كيف كاد ينفجر فيه لولا قيامها بتهدأته، فالوقت كان مبكرا جدا و لن يناله سوي دعوات من سيوقظهم بصوته من الجيران. و تتذكر مشكلة أول أمس حين أخذ بذلته الجديدة ليحضر حفل زفاف صديقه و كيف عاد يومها و قد لطخها بأشهي المأكولات. ترى ماذا فعل اليوم؟؟
سألته فما نالها إلا صراخه في وجهها:
_ تسألينني؟! لم و لن تلاحظي شيئا أبدا.
تركها و اتجه إلي هاتفه المحمول و اتصل به لكنه ألقاه فجأة علي السرير و قال:
_ لقد أغلق ابنك هاتفه حتى لا أعنفه و أطلب منه العودة. ذلك الولد يحب استفزازي.
_ بالطبع لا. أنه يحبك. ربما الشبكة هي المعطلة حيث يوجد.
_ نعم.. ستدافعين عنه كما تفعلين دائما، أليس تربيتك؟
_ ماذا؟! لن أجاوبك و أنت في هذه الحالة و لكن دعني أذكرك أنك أنت من قام بتربيته. أم نسيت أنك عاقبته على سقوطه في العام الدراسي الماضي بأن أعطيته مصروفا لقضاء أسبوع مع أصدقاءه في الإسكندرية بعد ظهور نتيجته بيوم واحد. و مواقف أخرى كثيرة. و الآن ما سبب كل تلك الثورة؟!
نظر لها بغيظ و قال و هو يجز علي أسنانه قبل أن يخرج مندفعا و يغلق الباب عليها:
_ لقد أخذ شرابي يا هانم. الشراب الذي سأخرج به.
شمس
تطلّعت إليه. كانت ملامحه تحمل من الهموم أكثر ما تحمل من الجد. و رغم ذلك لم تغادر الابتسامة وجهه قط.لا أعرف كيف يحقق تلك المعادلة الصعبة، فقد جربت مرارا و تكرارا أن أقلده لكنى فشلت. ربما لأن لي طبيعة سوداوية تميل للحزن حتى و إن لم يتواجد.
بالأمس كنت أتصفح بريدي الالكتروني فوجدت تلك الرسالة التي ابغضها بشدة. كانت من غادة. دائما تصر على مراسلتي في الوقت الذي احتاج فيه للحديث معها. لو افهم كيف تحبني كل ذلك الحب و لا تشعر بحاجتي إليها. كانت رسالتها مزيج من الاعتذار لعدم قدرتها على ملاقاتي لانشغالها الشديد و كلمات الحب التي لم أرى امرأة مثلها تجيد كتابتها على الرغم من امتلائها بالحياء. غريبة أنت ِ يا غادة . غريبة ككل شيء أهواه.
تحدّثت إلى عاطف بكلمات لا تحمل معنى أو هدف. لاحظ شرودي المتكرر و كاد أن يسألني عن أخر تطورات حياتي لكنى وقفت للانصراف في الوقت الذي كان يهم فيه بفتح فمه فأطبقه و هو يستمع لوداعي التي احتار كيف يعلق عليه لذا تركته في حيرته و رحلت.
سرت ساعات طويلة دون هدف و أخيرا توقفت أمام كورنيش النيل. كنت متعبا بشدة لكنى لم استطع أن اجر قدمي في تجاه شقتي. فهناك ترقد هي لتموت ببطء لا استطيع أن أتحمله. عاتبتني غادة كثيرا على هروبي منها و كثيرا ما دفعتني للبقاء معها و ربما يكون هذا هو السبب الحقيقي لرفض رؤيتها لي الآن. لماذا عليا دائما أن أبقى في أماكن لا أريد البقاء فيها. أنا لا استطيع أن اخصها بلمسة حنان و أنا أرى الموت يزورها كل يوم. ألا يكفيني ثلاثة اشهر من العذاب؟!
ستقولون أني قاسي القلب . ارغب في موت زوجتي من أجل أن أعيش مع محبوبتي . لكنكم لا تعرفون كم أتمزق بين المرأتين، فكلاهما أحبهما و لا استطيع الاستغناء عنهما. أرجوكم لا تقولوا أني زير نساء، فأنا لا أهوى النساء كما تعتقدون لا أقصد أني أكرههم . أنا فقط أهوي شمس و غادة بنفس القدر. و لا استطيع أن أرى أي منهما تتعذب بسببي.
_ آه . آه . شمس.
س.. ت.. ت .. سا .. ئلو.. ن لم َ أتأو .. و .. وه؟! و الإجابة أيضا غريبة. دعوني أولا أسرع إلى شقتي و سأجيبكم هناك.
*~*~*~*
دخلت غرفتنا مهرولا و أنا أكاد افقد تنفسي . كانت شمس راقدة و كأنها على وشك الأفول. شاحبة الوجه. تكاد لا تتنفس. و عينيها شبه مغلقه. و رغم ذلك رقصت الابتسامة الواهنة على شفتيها حين رأتني. صرخت باسمها فلا يمكن أن تكون تلك لحظاتها الأخيرة. و ألا أكون أنا أيضا......
عرفتم الآن لماذا أتأوه؟ إنها ليست المرة الأولى التي اشعر فيها بآلامها . بل إنني دائما ما أتعذب معها كلما تعذبت. لو اعلم كيف تتحمل كل ذلك الألم و هي المرأة الضعيفة في حين أنى أكاد افقد وعي من العذاب و أنا الرجل صحيح البنيان.
نظر كل من في الغرفة لي و حاولوا تهدأتي و لكن كيف و هم لا يعلمون علتي ، فانا أموت معها. الآن فهمتم. لا .. لا. الآن أنا الذي فهم. فقلبي لا يحتمل سوى شمس. فقط شمس. نصفي الآخر الذي ولد معي في نفس اليوم . ألسنا نحمل نفس الاسم؟ نعم أنا شمس و هي شمس فكيف تأفل و أب .. ق .. ى .. أ.. ن.. ا ؟!
*~*~*~*
كل ما أردته أن ابكي!!!!!!
جلست في أحد الأركان الهادئة في ذلك المكان الصاخب. بدا على وجهي أن الصمت و الهدوء في أوجهما لدي. فعينيني تشير للهدوء الشديد و شفتي المطبقة في كبرياء تدل علي زهد في الكلام رغم أنني كنت أعاني من العكس. لم ألتفت أبحث عنه كما تعودت أن أفعل من قبل. فقد كنت أعرف أين هو في تلك اللحظة. فقط أخذت أتطلع من خلف ستار النافذة التي تحجب الرؤية عن العالم الخارجي.
هو يعلم أنني في انتظاره دائما. يعلم كيف يدير ذلك القلب المجنون به. يعلم أن ذلك المظهر المغرور يهتز عند قدميه ليبدو مهترئا لا قيمة له. أتأمل للحظات عمري الضائع في تلك الجلسة المستمرة. للمرة الأولى أشعر بالفراغ يجتاحني كشلال. في كل مرة كان يهرول إليّ و يبكي معترفا بجرمه كنت أضمه إلي صدري و أبكي معه و كأن دموعي تمحو ذنوبه كلها، فأنسى كل شيء كأن لم يحدث. و اليوم أعرف أي صدر يحتويه. أي شفة تلتهمه، فأنزف داخليا و أثور:
_ أين كرامتك يا امرأة؟!
فيحل صمتي علي صمتي.
_ هل تلك هي الحياة؟!
سؤال أدار رأسي، فصرخت بصوت لم يخرج قدر أنملة عن مقدمة حنجرتي:
_ ليتني لم أعشقه.
أتطلع في ساعة يدي. إنها الثالثة صباحا. ما عدت أحتمل. صور الخيانات السابقة ظلت تراقصني قرابة الخمس ساعات التي انتظرته فيها. هو دائما يعلم بميعادنا. لكنه تعلم أنني لن أنصرف حتى لو مر دهر على جلستي تلك حتى يأتي و يأمرني بالمغادرة.
وقفت غاضبة و قد ألقيت ثمن الشراب على الطاولة، و الصوت الثائر في عقلي يصرخ:
_ فلتنجي بنفسك، إنها فرصتك الأخيرة.
نعم هي فرصتي الأخيرة. يا لسعادتي ها هو قادم يتلفت باحثا عني. ألوح له و أنا أكاد أفقد جاذبيتي من السعادة و أحلق عاليا. أنا هنا أيها الحبيب. هنا في انتظارك العمر كله.
أبتسم لي ابتسامة لم أعتادها منه فتلك بها حدة غريبة. كان وجهه متجهما. لم أراه على تلك الحالة من قبل. ترى ما الذي أغضبه لذلك الحد. لم يلوح لي كما أعتدت. بل سار في تجاهي بخطوات يملؤها الغضب. نعم أنا أعرفه حين يكون غاضبا و هو الآن بلا شك في ثورة غضب. أكاد أقسم أنه على وشك الانفجار.
دعوته للجلوس لكن بدلا من ذلك قال و هو ممسكا معصمي بقسوة:
_ هل قابلتي سامر بالأمس؟
_نعم. قابلني.
و تذكرت كيف قابلني، فقلت له باشتياق غطته نبرة صوتي المجروحة الغاضبة من تذكيره لي بالأمس:
_ قابلني و أنا أبكي انتظارك ثلاث ساعات و أنت في أحضان تلك المرأة الأخر و أنا أتمزق مما يحدث بينكما. أراد صديقك أن يخفف عني مصابي المستمر فيك لكنه ما استطاع. كنت أتمني أن يخفف عني قليلا و لكن لا أحد غيرك يمكن أن يشفي قلبي.
كم كنت أتمني أن يسمعني يهدهدني كما تهدهد الأم وليدها لكنه بمزيد من القسوة قال و هو يزيد ضغطا علي معصمي:
_ خائنة. اعتقدتي أنني لن أعرف بالأمر. لقد أنتهي كل ما بيننا.
ثم غادر في لمح البصر دون أن أستوعب كلامه أو أجاوبه. تركني أكاد أفقد وعي. خمس سنوات من المسامحة و النتيجة صفعة علي الوجه. لماذا؟! ماذا فعلت حتى يثور كل تلك الثورة غير المبررة؟! جريت خلفه استعطفه كي يفهمني أي جرم ارتكبته في حقه حتى ينهي حياتي بتلك الصورة. صرخت فيه:
_ كيف تتركني هكذا و أنا المجروحة منه دوما؟! كيف تقابل تحملي كل نزواتك بتلك الطريقة؟!
لكن لم تجاوبني سوى نظرات تتهمني بالجنون. لملمت سنوات عمري المهدرة و غادرت المكان و أنا مقروحة العينين. صممت ألا أخدع نفسي مرة أخري معه لكن ما أن جاء ميعادنا اليومي حتى وجدتني أنتظره في نفس مكاني عله يكون قد راجع نفسه و يعود سريعا إليّ. لكن الدقائق مرت و الساعات لحقت بها دون ظهوره.
لم أغادر جلستي قرابة اليومين عله يعود، فلم يستطع صحاب المكان إقناعي بمغادرته، فكل ما أردته رؤيته بعد أن أغلق تليفونه المحمول حتى لا يرد علي مكالماتي المتواصلة. فوجئت بصديقته تأتيني ضاحكة قائلة:
_ لقد علم بما حدث بينك ِ و بين سامر صديقه.
و ماذا حدث؟! لا شيء سوى البكاء علي كتف صديقه. سبب غريب للهجر و الأغرب أن يأتيني منها. تلك التي بكي علي كتفها مرارا و تكرارا أمام عينيّ. تلك التي ثار عليّ من أجلها حين عاتبته لأني رأيتهما معا في أحد زوايا المكان و أتهمني بالشك في حبه. و الآن لماذا تلك الثورة ؟! أليس من حقي أنا الأخرى البكاء؟!!! هو يعبث كل يوم و أنا أتحمل و أتحمل. كنت في حاجة لمن أبكي علي كتفه. كل ما أردته أن ابكي. و الآن ها أنا أرحل مع دموعي بعد أن استجاب الله لرغبتي.
الخميس 22 / 11 /2007
تفاصيل
حاول أن يجبر جفنيه على الارتخاء علّ النوم يحاصر عينيه دون جدوى. سنتان من الصراع كل ليلة مع نفسه علّه يتعلم النوم و لكن دائما ما يجني الفشل. أعتدل في رقدته و هو يتأفف من جهاده اليومي مع النوم. تعلقت عينيه بها، فانتفض من رقدته و تناولها و ضمها إلى صدره و أطبق عليها حتى لا تغادره .. لكن سرعان ما أعادها إلي الحائط بعد ما تسللت الدموع إلى خديه. تطلع إليها فأرتجف قلبه كعادته كلما غاص بنظره في تفاصيل صورتيهما معا. ثم أغمض عينيه لا لينام فالنوم منذ فراقها عدوه اللدود. فقط كانت محاولة فاشلة أخرى له للهروب منها.
سنتان وهو يحاول أن ينسَ. ينسي أول ضحكة، أول همسه، أول لمسة، أول قبله، أول ليلة جمعتهما معا في تلك الغرفة. أول شارع سارا فيه معا و هي تتأبط ذراعه و تضحك ضحكتها العذبة قائلة:
_ أخيرا أصبحت زوجي.
أول مطعم تناولا فيه غداءهما و هما زوجين و أخر وجبة لهما. أول مصيف و أخر مصيف.
سنتان تطارده ذكرى تلك الليلة. تطلع بعينيه و قد تقرحتا من طول السهاد إلي السرير حيث كانت تضحك للمرة الأخيرة. كانت تضحك بهستيرية لم يعهدها فيها من قبل. كانت تصرخ مالئة الغرفة بصخب كصخب الأطفال. تضحك و تقبل جبينه ثم تضحك و تعود و تقبل خديه و تضحك و ....
حاول أن يجاريها في سعادتها يومها لكن حزنا غريبا تسلط علي قلبه و أحتل نفسه. سألته كثيرا عن سر عبوسه و هي تداعبه علّه يضحك لكنه لم يكن يفهم، فكيف يشرح؟! حاول أن يفسر الأمر لنفسه لكنه لم يكن يعلم يومها أنه يشعر أن تلك هي .. ليليتها الأخيرة معه.
مازال يراها كل صباح بنفس الرقدة. كان عليها أن تكون في المطبخ تعد له الطعام لكنها ذلك الصباح ظلت راقدة دون حركه. كلمها فلم تجاوبه، اشتاط غيظا فهو لم يتعود منها الهجر. أمسكها بعنف من ذراعيها لكن يده المفزوعة من برودتها سقطت في الحال جواره. رحلت في هدوء و لم تعطيه الفرصة كي يتأسف.
.~.~.~.
أزاح ستائر الغرفة. و سرح ببصره عبر النافذة الزجاجية. هنا كانت تنتظره كي تراه و هو عائد من عمله. و تنتظره و هو عائد ليلا بعد سهرة مع أصدقاءه. لم تعاتبه يوما على إهماله لها. و لم تشتكيه لأحد قط و رغم ذلك تعودت على شكوته المستمرة منها.
دلف إلي ( البلكون ) و جلس على المقعد الخشبي الوحيد بها. أحس بكيانها يخترقه. فعلى ذلك المقعد كانت تجلس وحيده أغلب الوقت تفكر فيه و في تنظيم حياته. لم يستطع أن يتحمل إحساسه بأنها كانت هنا أياما و ليالي وحيده صابره عليه.
هرب سريعا إلي غرفة المعيشة. كان السكون هو صاحب الأمر و النهي في المكان، فتحرك على أطراف أصابعه كأنه خائفا من إيقاظه فلم يكن هناك أحد في الشقة معه غيره. تطلع إلى الصمت للحظات لكنه لم يستطع أن يكتم ضحكة هربت من فمه لتسخر من نفسه.
تذكر همساتها:
_ أريد طفلا منك.
و تذكر عنده كي ينعم بهدوئه:
_ لا.
فتح التلفاز كي يسمع صوتا غير صوت أنفاسه الغاضبة منه لكن.. حتى التلفاز تعلم عنده و أذاع تلك الأغنية التي عشقتها يوما. أغلقه بعنف و وقف يبحث عن ركن لا يحمل ذكرها لكن هيهات. الآن تيقن أن وقته معها قد مات.
**************