‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
إيمان عزمي

ابتسامة باهتة أقرب للعزاء منها للفرح رسمتها،

أرادت أن تنتزعها حتى لا تختنقن

لكنهم أبوا أن يساعدوها إلا لالتصاقها بها.

فتشت في دقات قلبها عن لحظة زيف كي تسلمها لهم ليرضوا عنها،

لكنه كان ينبض بنار الحقيقة،

فبكت قبل أن تسلمهم ما بقى منها ليشحنوه بطاقة التمثيل ونامت

2 أكتوبر 2011 الساعة 10

إيمان عزمي

يقولون:" إنها لمجنونة"، فلا تعبأ.. يقولون: " إنها ملبوسة من جن حزين"، فتضحك، تقرأ مقولاتهم الكثيرة عنها، أفكارهم المأخوذة من حياتها، خيالاتهم الساذجة حولها، فتتلمس لهم الأعذار.

ترفض أن تتسلل لعالمهم، فقد ملت من كثرة ما نزعت من أقنعتهم. هي تشهد طقوسهم المرتعبة من ردود أفعالها، فتتحرى الدقة في نقش مسالبهم على جباههم لتفضحهم، فيبنون لها الأضرحة لتسكنها لكنها تأبى ألا تكون عزلتها في غير البراح لتراهم من خلف جدرانهم يصلبون.

01 أكتوبر، 2011‏، الساعة 03:34 مساءً‏‏

إيمان عزمي

تتطلع عبر النافذة الصغيرة المطلة على الشارع العريض.. تزداد ملامحها انبهارا.. تعرف أن ذلك العالم الصغير الذي تسكنه بتلك الغرفة هو لا شيء، فلا أحد غيرها يعرف ذلك الشعور بالحوائط .. لا أحد غيرها يتقن التحدث مع الحوائط .. يحاورها تلك الحوائط الأربعة !

تعلمت منذ سكنت ذلك المكان أن تتخذ لكل حائط في غرفتها اسمًا.. هذا الحائط الذي توجد به نافذتها على العالم الخارجي هو حائط الخيال .. لطالما كان كل شيء خلفه هو جزء من خيال غر.. يزحف على المشهد أو المشهد هو ما يزحف عليه لا يهم، فقط هو والخيال عملة من الذهب لكنها عملة صدئة لا تستطيع صرفها.. فقط تأملها لتعلم الصبر.

وهناك خلف ذلك المقعد المتهالك يوجد حائط البكاء. حين تنظر إلى الصورة الوحيدة المعلقة به والتي تلازم عينيها كلما رقدت في سريرها تراه ينظر لها نظرته الناعمة القاسية.. هي تشعر أنه يراها من خلف تلك الصورة .. يراها أينما ذهبت .. يراقبها.. يتفحص لحظات حياتها .. و ينذرها أنه لن يتركها لتضحك. فتتيقن من نظرتها لذلك الحائط أن معناتها ستظل ابد الدهر.. كم هو جبار؟! لكنها أدمنت خشونته.. حتى بعد أن هربت منه.. لذا آمنت أنها لن تنجو من رحلتها أبدا حين تلقاه أمامها وسيرد لها الصاع صاعين، فكيف تجرؤ على التمرد عليه وهو سبب وجودها؟! لكنها عرفت أنها لم تكن ستصمد وهي بالقرب منه و ستكون نهايتها لكنها اليوم صارت تنتظره ليضع بنفسه تلك النهاية التي هربت منها كثيرا عبر ذلك الحائط الثالث حيث تغوص بعينيها في ملامح الباب المهترئ الذي يشق الجدار، وكأنها ترى يد صاحب الصورة يخترقه ليخنقها.

لا شيء بالجدار سوى الباب الذي كانت مجبرة أن تعبر من خلاله كل يوم لتقتات رزقها .. لكنه كان بالنسبة لها جدار الحياة و الموت، لا تستطيع أن تهرب منه حتى لو تجاهلته كالجدارين الآخرين، بل عليها أن تنتظر قدرها عنده.

انتفضت من جلستها على ذلك السرير الخشبي .. انتفضت ليس خوفا من حشرة، فما أكثر الحشرات التي صاحبتها الأشهر الماضية .. انتفضت كي ترى ذلك الجدار الأخير الذي لطالما تجاهلته .. جدار الراحة .. ذلك الجدار الذي يعني رؤيته أنها لا تعرف تلك الراحة. كان سريرها ملتصقا به، فتستند بظهرها عليه حيث لا يوجد ظهر للسرير.. آه من هذا الجدار.. كم تتمنى ألا تراه ؟! فقط تلتصق به كالجنين في بطن أمه حين يلتصق بظهرها، فيغفوا كالنائم فوق ريش من نعام .. كم عشقت اختفائه من ذاكرتها ؟! لكنها تعلمت أن أمام هذا الجدار صورته التي تحاصرها، لذا نظرت نظرتها الأخيرة لجدرانها بابتسامة رضا قبل أن تغلق عينيها على أمنية عيد ميلادها بأن تنطبق تلك الجدران عليها.

انتهت

سبتمبر 2011

إيمان عزمي

ينتظر كوب الشاي بشغف.. ينتظر ابتسامتها له بشغف.. ينتظرني بشغف... فالانتظار هو الشيء الوحيد الذي يفعله بشغف.. بل هو الشيء الوحيد الذي يسعى جاهدا إلي إتقانه. احترت كثيرا معه في أن يتعلم الفعل بدلا من رد الفعل لكنه يرفض. يرفض الفكرة كأني أحرضه على ممارسة الرذيلة أو أدعوه لتعلم الفساد.

شخصية عجيبة هو لكني لم استطع التخلي عنه.. فهو رغم كل شيء لا يزعجني بالمنزل.. بل لا اشعر بوجوده قط.. ربما يكون هذا مملا كثيرا لكن صمته يمتعني حين أحتاج للهدوء من صراخ الأطفال.

أنظر في عينيه لاستمتع بلمعتهما الزائفة.. اعلم أن خلفهما لغة أخرى وحده يتعامل معها.. لا يترك فرصة لي لأحتويها فهي عنده دوما ستنتهي لكنها لا تموت قط.

كعادته يعود كل ليلة متأخرا.. لا يتذمر حتى لو قصصت عليه ألاف القصص من المشاكل.. فقط يربت على رأسي بحنان قائلا:

_ تخلي عن تعجلك.. فالدنيا لا تعطي ملهوف.

ككل ليلة أندهش من جملته التي لا تخمد ثوراتي لكنها تستفزها فلا أفعل سوى الإشفاق عليه من الدنيا .. أنزوي في غرفتي.. انتظره ليدخل ورائي ليهدأني كعادته بشخيره المتعب من العمل طوال اليوم كي أغوص في عالمي الخاص مستمتعة باحلام لا وجود لها إلا في عقلي لكنه تلك المرة لا يأتي.. انتظر حضوره و أنا أنظر لعقارب الساعة.. تتوالى الدقات و لا يأتي.. اتذمر، فيومي سيموت دون احلام تعينني على احتماله و الغد الذي ينتظره، فأغادر سريري للشرفة لأجده جالسا مغمض العينين.. أشفق عليه لكني اتركه لاعود لسريري فالأهم أنه لن يطالبني بشيء بعد يومي المرهق.. كم أسعد بطيبته و طبيعته تلك. كم اتمنى سعادتي تدوم.. كم.. كم.

تتزايد الأمنيات في عقلي لكني لا استطيع أن اطرده منه، فأغادر السرير للمرة الثانية لأقنعه بالعودة معي حتى لو كان على حسابي.. لكنه يتركني لأنعم بالراحة الأبدية التي تمنيتها.

16 نوفمبر 2010

إيمان عزمي
تعـودت
**********
تعودت منذ أن بدأت عملي .. أن أرى بائعة الجرجير تأتى في نفس موعد وصولي عند مدخل الشارع المطل على الميدان كل يوم .. ذلك الموعد الذي نادرا ما أتأخر عنه ، و قد أثارت دهشتي انضباطها الشديد في موعد مرورها .. على الرغم من مظهرها الذي لا يمت للمدنية بأي صلة ، حتى أنى قد تعودت أن اضبط ساعة يدي على موعدها و هي تدخل الشارع و تحمل فوق رأسها سبت الجرجير و تنادى عليه بصوت واهن أقرب إلى صوت الموت منه إلى المناداة ..
ظل مرورها هكذا منضبطا قرابة الإحدى عشر شهرا .. و على الرغم من شفقى على حالها .. لم أحاول يوما سؤالها عن أحوالها أو مساعدتها بشراء الجرجير منها . و مع بداية اليوم الأول للشهر الثاني عشر قررت أن أتحدث إليها ، فخرجت من منزلي مبكرا_ و أنا مصممة على انتظارها كي أكلمها _ على الرغم من تأكدي من حضورها في نفس موعدها .
مر الوقت متثاقلا و أنا منتظرة .. انظر تارة إلى ساعتي .. ثم أعاود النظر إلى ساعة الميدان .. حتى دقت ساعة الميدان معلنة تمام الثامنة .. فطرق القلق بمطرقة حديدية على أعماق قلبي .. كيف تتأخر تلك البائعة المنضبطة ؟! و بعد أن كنت اجلس في سيارتي منتظرة حضورها .. إذا بي أغادرها في قلق جم و أتلفت باحثة عنها يمينا و يسارا .. كأني ابحث عن ابنتي التائهة .. فلفت انزعاجي المارة الذين التفوا حولي عارضين المساعدة على، فشكرتهم بهدوء و رحلوا سريعا كل ٍ إلى عمله .
ظللت اليوم كله منتظرة حضورها في أي لحظة .. حتى مر بي عدد كبير من زملائي في حضورهم و في مغادرتهم للشركة و هم يتساءلون عن سر وقوفي في ذلك المكان و التلفت حولي كمن يبحث عن شئ هام فقده . . دون أن استطيع أجابتهم .
عدت إلى منزلى في وقت متأخر في محاولة فاشلة لرؤيتها .. و قررت أن ابحث عنها بصورة أكثر فاعلية في اليوم التالي ، فكان أول ما فعلته في الصباح أن ذهبت إلى شرطي المرور المسئول عن الميدان و سألته إن كان يعلم شئ عنها ، فلم يروى عطشى الشديد ، فظللت طوال الأسبوع لا افعل شئ سوى البحث عنها حتى مرت بائعة جديدة للجرجير في الشارع ، و هي فتاة صغيرة تنادى بصوت رفيع عليه ، فسألتها في يأس إن كانت تعرفها ، فردت الفتاة _ وهى تقرب منى سبت الجرجير لعلى اطلع عليه فاشترى منها _ بأن البائعة قد رحلت كما سنرحل جميعا .هنا فقط شعرت بتغير كل شئ داخلي ، كأن أعضائي غيرت أماكنها دون أن آذن لها ..
هنا فقط تبينت أنني كنت واهمة حين اعتقدت أن حياتي استقرت في تلك الوظيفة .. في ذلك الشارع .. في تلك الحياة، فكان لابد من ترك تلك الوظيفة التي جعلتني تعودت .
إيمان عزمي
خيرٌ من ألف طائر
***************
ظلت تتأمل ذلك الوجه المشع بنوره الرباني التي لا تتوقف شفتا صاحبته عن التمتمة بالدعوات طوال الوقت. و للحظات تمنت أن تملك نصف ما تملكه تلك المرأة من نفس ٍ طاهرةٍ لكنها كلما نظرت إلي صفحات حياتها المكتوبة تمنت أن لم تكن ولدت قط.
غادرت الغرفة لتنكفئ على نفسها في صومعتها.. تتجول في أيامها الماضية، و تتصفح أوهاما رسمتها و مازالت بيد محترفة.. لم يكن ذاك الطريق الذي شقته لنفسها بجنون يرهبها لكنها الآن باتت تختنق كلما تذكرت ما ردمته من أشياء من أجله.انفتحت تلك الصفحة في ذاكرتها علي دمعة هربت من عينه و هي تخبره أن يرحل عن عالمها و تمنت لو عادت لتمسحها بيدين كانت تحملان البراءة منذ زمن بعيد لكنها (لو) اللعينة دائما تسبق الجمل الميتة.
تناثرت الذكريات بعقلها و بدت أشبه بقصاصات ممزقة لكنها رغم ذلك لملمت شتات نفسها و جلست تدون في قلبها مشاعر لم تغادرها قط رغم التشوهات التي تزداد بداخلها.. نظرت عبر المرآة و انجلت الحقيقة فها هي تدفع ثمن اختياراتها..و ها هو على بعد خطوات من شرفتها يتمتع بطائره الوديع بين يديه و الذي خير منها تلك التي تساوي ألف طائر على الشجرة.
إيمان عزمي
طلاق
*******
تجلس شامخة.. تضع عينيها في عينيه، كأنها تتحداه رغم طريق الحزن المحفور بهما.. تبدو كأنها تخبره ألا يحاول إحياء أمل مات على يديه أما هو فتتوسل القطرات في عينيه لها أن تصرخ بلا. تقرأ صرخته .. تحاول بيأس أن تفتش في ذكرياتهما عما يساعدها لتساعده .. تتجول بعينيها في أركان شقتها، فلا يزور عقلها سوى ذكريات الدموع.
تتصفح ذكرياتها مع تجول عينيها في أركان المكان. هنا في هذا المقعد الجالس عليه الآن تعلمت البكاء لتأخره المستمر دون أن يجيب على هاتفها حتى احترفته. و على تلك الكنبة نامت مع دمعتها ليال طويلة دون أن يلاحظها فعلمت أنه لا طائل من الدموع سوى الكآبة فهجرتها. و في تلك الغرفة لطالما كانت تخبره قبل زواجهما أنها غرفة الأحلام لكنها لا تتذكر منها سوى محدثاتهما الفاشلة كي لا تأتى تلك اللحظة.
تخرج من شرودها على صوت الرجل الغريب يسألها للمرة الأخيرة فتقول و هي تنظر له و قد ملأت عينيها الدموع:
_ طلقني الأمل و طلقته منذ سنوات و اليوم جاء دوره.
إيمان عزمي

بريق الظلام

_ تعشقين رسم نفسك. اخترقت الجملة أذنيها فرفعت رأسها لتبصر صاحب الصوت. كانت نظراتها إليه يملؤها الدهشة لكنها لم تستطع أن تعلق فعادت إلي ورقتها تستكمل رسم النجوم دون أن تعبأ بوجوده. هي تعشق النجوم و كثيرا ما نأت بنفسها عن الرد على تعليقات الآخرين على رسمها لها لكنها لم تستطع أن تتجاهل هذا التعليق رغم تجاهل صاحبه. منذ متى بدأت رسم النجوم؟ لا تذكر، فقط تذكر أنه منذ زمن بعيد جدا يوم أن كانت تحمل لقب طفلة. كان مدرسوها يقولون عنها بلهاء لأنها لا تسعى إلي التفوق لتحصل على النجمات الذهبية على كراساتها لكنها طالما سخرت منهم لأنهم لم يستوعبوا أن نجماتهم الذهبية مزيفة مقارنة بنجماتها التي تزين كل أوراقها. في الجامعة كانت ورقة الأسئلة تتحول إلي لوحة نجوم فلا تسلم من مضايقات مراقبي الامتحانات لها. تتذكر أنها في يوم طلبت منها المراقبة تسليم الورقة مادامت توقفت عن الإجابة. يومها نظرت لها بسخرية و قالت و هي تعيد نظرها إلى ورقة الأسئلة: _ لم ينتهي الوقت بعد. هل كانت تساعدها النجوم على التذكر؟! كثيرا ما سألت نفسها ذلك السؤال دون إجابة فهي لم تحاول في يوم هجر نجومها. عاد صوت زميلها يخترق أذنيها و لكن تلك المرة و هو يجلس قبالتها قائلا: _ منذ أن عرفتك و أنت ِ كالنجمة التي لا تريد لأحد أن يصل إليها. بدا في عينيها أبله و هو يتظاهر أنه يعرفها عن قرب. و تجاهلته للمرة الثانية و استسلمت لنجماتها التي عادت لنقشها على كتابها. لكنها بدت تلك المرة نجمات حزينة على غير المعتاد و أثارت في نفسها شجن لم تعتده من قبل. هل هذا كله لأن كمال تحول خلال بضعة أشهر من طالب تكاد عينيه تلتهمها في أوقات الفراغ القليلة بين المحاضرات إلى معيد ميت الملامح أم أن الأمر لا يتعدى نوبة حزن من نوباتها التي اعتادتها؟ همت بإغلاق الدفتر على نجماتها الغالية الحزينة في الوقت الذي لمحت فيه كمال و هو يغادر المبني. و توقعت أن تخترق الغيرة ملامحه الجامدة لتعكر صفوها لكن عينيه مرت علي وجهها كمن ينظر من سيارة مسرعة، فاستكملت مغادرتها لكن الشاب استوقفها قائلا: _ هو يعرف أنه لن ينالكِ إلا بعد عشرون سنة على الأقل، فلا تحزني. فنظرت له قائلة بسخرية قبل مغادرة المكان: _ هل تُرى النجوم إلا في الظلام؟ 18/1/2009

إيمان عزمي
قبل فوات الأوان
هل حقا بدأ كل شيء منذ لحظة ميلاده أم بعد ذلك بكثير؟ هل أنا سيئة لتلك الدرجة؟! حقا لا أعرف. كل ما أعرفه أنني أحببته بشدة منذ اللحظة الأولى لرؤيته. و بالرغم من أنه لم يكن طفلي الأول إلا أن شعورا داخلني أنه طفلي الأول و الأخير. طفلي الذي لا استطيع أن اتركه و لو لثانيه واحدة كي ترعاه ( دادة ) الأولاد . كنت سعيدة كأنني انجبته بعد سنوات طويلة من العقم. و رغم أنني أنجبت بعده بنتين إلا أن مكانته في قلبي ظلت تزداد و لم تتناقص قط. حتى أنني لا اصدق من تقول أن ابنها الأول أو الأخير هو الأقرب لها. فقد كان كريم عكس ذلك. فرغم أنه أوسط أخوته حيث يكبره ولدين إلا أنه لم يعرف الوسطية في حياته. فهدوءه شديد، و أدبه جم، و حساسيته مفرطه و مشاعره جياشة. و عزلته عميقه و حبه لي يفوق الحدود. أغدقت و زوجي عليه بالكثير و الكثير من الحب و الحنان و الهدايا. حتى خوفنا عليه كان يفوق الوصف، فلم نخف في يوم على البنتين مثلما خفنا عليه. و الغريب أننا لم نكن نعرف سببا لخوفنا. كنا ننفذ له كل ما يطلب و نمنحه كل ما يتمني، و هو.. لم يكن يطلب الكثير بل قليلا ما كان يطلب. كان يهوي مجالسة الصمت عن مجالسة أقرانه لكنى لم أعبأ. فقد كان جلوسه معنا و ضحكاته التي لا تنتهي تنسيك شخصيته الحقيقية، بل لو رأيته و هو يتناقش مع أخويه و يقلداهما لقلت أنه شخص مرح لا يعرف الحزن الطريق إلى قلبه. حين دخل المدرسة تعذبت أكثر منه لفراقه اليومي الصباحي.. حتى أنني لم أكن أتناول افطارى صباحا إلا إذا تناوله معي، فإذا لم يفعل لانصرافه متأخرا للمدرسة لا أتذوق الطعام حتى يعود منها. أما هو فقد تعود مع الوقت على المدرسة لكنه لم يتخلى عن وحدته و عزلته بداخلها. بل تحول صمته إلى عشق يواجه به مشاكله الصغيرة التي كان يقصها على و هو جالسا على السرير كل ليلة و رأسه على حجري لأداعب شعره الأسود. في تلك الفترة اضطرتنا ظروف الحياة إلى العمل لأساعد والده في نفقاتنا المتزايدة باستمرار. كنت في البداية افتقده بشدة؛ فانجرف وراء رغباتي الملحة لرؤيته وسط النهار، فأغادر العمل و اذهب إليه لأطمئن عليه.. لكن سخرية الأولاد من تصرفي جعلتني أتراجع حتى لا اسبب له الإحراج. و مع الوقت تعودت على فراقه، أما هو فقد كان يزداد تعلقا بي. كنت كلما عدت من عملي أجده جالسا في غرفتي على السرير و على وجهه آثار البكاء. و حين تحدثت معه و طلبت منه التوقف عن البكاء ما كان منه إلا التوقف عن انتظاري بغرفتي و إبدالها بغرفته لكن آثار دموعه ظلت منحوتة على وجهه الهادئ معلنة فشلي في محوها. كنت اعرف أنه بلا أصدقاء لكنى لم أحاول تفسير الأمر أو تغييره. بل اكتفيت بأن جعلت من نفسي صديقة له. يشتكى لها همه. أما أخوته فقد ظلت مشاعره تجاههم غير مستقرة. فتارة اشعر بقربهم الشديد منه. يخرجون معا .. يضحكون و يتكلمون . و أحيانا أخرى اشعر كأن ألف سنة ضوئية تفصل بينهم. لا يجمعهم مكان و لا اهتمام. في بعض الأحيان كان يقلد أخويه الكبار، في الملبس و طريقة الكلام و الحركة، فيضيقا به و يهجرانه فيتقوقع داخل حجرته و رغم ذلك لم أكن أتدخل بينهم اعتقادا منى بأنهم سيرضوه في النهاية و يتركوه يقلدهم لكنهم ما أرضوه قط و هو ما تخلى عن تقليدهم حين يريد. كنت أرى و اسمع كل شيء لكنى لم احلل أو أفسر أو أتدخل في أي شيء. كان هدوءه لي طبيعيا، فهو أمر تتمناه كل أم كما كنت أعتقد. و عدم وجود أصدقاء له أمر طبيعي، فقد كنت مثله و أنا صغيرة بدون أصدقاء. و تعلقه الشديد بي كان طبيعيا لأقصى حد. ألم أحب ذلك التعلق؟ بل و كنت سببا فيه. *~.~*~.~* انتفضت من نومي في أحد الأيام على صوت صرخات متتالية لابنتي. جريت و زوجي نبحث عن مصدر الصوت، فقد كانت غرفتيهما خالية. وصلنا إلى غرفته. ألم أخبركم أنني أصررت أن تكون له غرفة مستقلة منذ صغره فرضخ زوجي لطلبي دون نقاش. كان أخويه يسدان عليّ الرؤية و هما يدفعان أختيهما خارجها. كدت أموت في تلك اللحظة و قد اعتقدت أنه فارق الحياة. احتضنت ابنتي دون أن أجرؤ على النظر داخل الغرفة لأراه، فكيف أراه و هو جثة؟! تحولت الدنيا في عيني خلال لحظات إلى غيمة بيضاء و لم أرى شيئا بعد ذلك سوى خيالات لم أميزها. حين استرددت وعيي كانت أسلاك كثيرة موصلة بيدي. حاولت أن انتزع صوتي من حنجرتي عليّ استطيع الكلام دون فائدة. ألتفت انظر حولي و أنا دائخة لأتعرف على المكان، فإذا بي أراه منزويا في أحد أركان الغرفة يبكي بحرقة دون صوت و هو يحاول إخفاء دموعه. كيف أراه و قد رحل؟! ماذا حدث؟! حاولت استيعاب الأمر لكن عقلي كان مرهقا، فأغمضت عيني و أنا اسمع صوت زوجي يهدأه: _ لا داعي للانفعال مرة أخرى، فهذا خطر على صحتك. لكن نحيبه ارتفع و اقترب في نفس الوقت فعدت و فتحت عيني لأجده يرتمي عليّ و يقول: _ أمي .. أمي. أنا السبب فيما حدث لكِ و الله ما أردت أن يحدث لي شيء. كنت أعرف أنك ِ لن تحتملي الصدمة؛ لذا أخفيت الأمر عنكم جميعا. أرجوكِ أمي لا تتركيني؛ فأنا احبك. لم استطع للمرة الثانية أن انطق، ففشلت في طمأنته لكن زوجي جذبه إلى صدره و اخذ يقبل رأسه: _ فلتهدأ حتى لا يتكرر الأمر مرة أخرى فيزداد حزنها. هنا جفت دموعه سريعا و قال و الحزن يعتصر صوته: _ لكنها لا تجاوبني. كدت اطلب منهم بلغة الإشارة إحضار ورقة و قلما لأطالبهم بتفسير ما حدث و ما قالاه لكن دخول الطبيب قطع عليّ المحاولة. حتى أخوته لم أراهم. لكن.. لم يكن هناك مجال للسؤال عنهم. تحدث الطيب لي فحاولت الرد و لكن فشلت كما فشلت سابقا، فطلب مغادرة كريم للغرفة و بالطبع خرج و لكن بعد إلحاح شديد من والده. تحدث الطبيب إليّ طالبا منى استخدام الإشارة، فما كان منى إلا أن سألته عما حدث لأبني، لكنه لم يجاوبني مدعيا أن همه الآن هو علاجي. لم اهتم بكلامه و أعطيته ظهري، فكيف اهتم بنفسي دون أن اعرف ما حدث لولدي؟! حاول إثنائي عن عزمي مرارا لكنه فشل و في النهاية استسلم مرغما و تركني مع زوجي و غادر كي يتح له فرصة الكلام. جلس زوجي بجانبي على السرير و امسك بيدي يداعبها كما اعتاد أن يفعل كلما احتار في الإفضاء لي بأمر ما، فتعلقت يدي بكفه التي ارتعشت و أنا احتويها بأناملي الصغيرة. فرفع كفي إلى فمه و اخذ يلثمها ثم قال بعد جهاد: _ لقد تشاجر كريم و سوسن فانفعل كريم و ...... ظللت أحثه بكفي التي لامست وجهه الحزين على توضيح الأمر دون الدخول في التفاصيل، فقال و هو يقاوم دموعه المحبوسة في مقلتيه: _ لقد أصيب كريم بالصرع منذ فترة و لم يخبرنا و حين تشاجر مع أخته بالأمس هاجمته نوبة صرع، فأعتقدت سوسن أنه يموت و أخذت تصرخ هي ثم أختها التي جاءت على الصوت.... و لم اسمع باقي جملته فقط ترددت جملته الأولى في أذني فآخذت انتفض. كريم، ابني أصيب بالصرع. متى و كيف و ماذا و لم ؟ و كل الأسئلة أردت أن اصرخ بها .. لكن دموعي كان لها النصيب الوحيد في التعبير عما اجتاحني من مشاعر. مسح زوجي دموعي و هو يقول: _ يجب ألا تنفعلي، فأنا غير مستعدا لفقدك. لكنني لم استطع تحمل الصدمة و صرخت .. صرخت صرخة مدوية أفزعتني أنا نفسي. خرج صراخي دون إرادتي. لم أكن أريد أن افعل ذلك. لكن الأمر حدث في ثواني. كنت مثل المجنونة. صفعت زوجي على وجهه و نعته بالكذاب. نطقت فكان سبي له هو أول ما نطقت به في الوقت الذي دخل الطبيب فيه و معه الممرضات إلى الحجرة. لم أكن أتخيل أن تكون كلمة كذاب هي أول كلمة تخرج من فمي بعد ما حدث و لكن.. الأسوأ هو ما حدث. _ طلقني .. طلقني. لا أعرف لما نطقت بتلك الكلمة يومها، فما بيني و بين زوجي الكثير و الكثير من الحب. لم تكن علاقتنا يوم ما فاترة و لم يكن بيننا مشاكل راسخة. كنا زوجين مثاليين بشدة. و لكن جاءت تلك اللحظة لتقسم بغير ذلك. ظللت أحمله مسئولية ما أصاب ولدنا و أنا أصرخ فيه. سباب كثير له. اتهامات لا تنتهي بكرهه لكريم. كيف نطقت بذلك الكلام؟! لا أعرف حقا! أما هو لو قلت أن ملامحه حملت الذهول كرد فعل لسلوكي أكون قد خففت من وصف وقع الصدمة عليه. فما أجتاح وجهه من تعابير لم يكن يسير. شحب وجهه لأقصى حد، و أحمرت عينيه حتى اختفى بياضهما. ازرقت شفتيه و انعقد حاجباه كأنهما سيظلان هكذا للأبد. و رغم ذلك لم أهدأ بل عدت وصفعته على وجهه و كل من في الغرفة يحاولوا تهدأتي. هنا تغيرت ملامحه ليتخذ وجهه لون الليل. لقد فقدت بشرته لونها الأبيض المميزة بها في لحظات و أنا اردد كلمتي كذاب و طلقني في هستيرية. و قبل أن يتأزم الموقف كان الطبيب الكبير يدفع زوجي خارج الغرفة تاركا للطبيب الشاب مهمة حقني بمهدأ. *~.~*~.~* عرفت بعد ذلك أنني دخلت في غيبوبة استمرت أسبوعين، و الغريب أنه رغم ما فعلته بزوجي فإنه لم يفارقني كما اخبروني. بل ظل يحدثني كأني اسمعه. يحتضن كفي الصغير و يضمه إلى صدره كلما أراد النوم.. أما عن الغيبوبة فلا أتذكر خلال تلك الفترة سوى صراخي الأخير قبل أن أغيب عن الوعي ثم رؤيتي لزوجي ما أن خرجت من الغيبوبة و هو راقدا بجانبي علي سرير المستشفى يحتويني بذراعيه كأننا نائمين في غرفتنا بمنزلنا. و سقط ما حدث في غيبوبتي من ذاكرتي للأبد. هدأت الأحوال و استقرت الأمور بعد استردادي للوعي. و عدت لزوجي .. عدت في هدوء دون أن نناقش ما حدث لكن شيء بداخلنا انكسر. ما هذا الشيء؟ الله وحده اعلم. أما كريم، فأفهمنا الطبيب كيف نتعامل معه؟ و رغم ذلك لم أسعى إلى إخراجه من عزلته بل تركته يغوص فيها بل و غصت أنا أيضا معه. كان خوفه يزداد مع الوقت من إصابته بإحدى تلك النوبات أمام الأغراب، أما أنا فكنت أسعد بالهدوء الذي يغلف غرفته، فلا مكان بها لصرخات أخواته و صوتهم المزعج و كلامهم الغير مفهوم في كثير من الأحيان لي. أما هو فصوته الخجول يريحني إذا تحدث لي. و قلة طلباته تسعدني على عكس إخوته الذين لا تنتهي طلباتهم أبدا. أما زوجي.. آه.. آه لو كنت أعلم. كل يوم كان يزداد انفصالا عني أو لأكون منصفة له. كل يوم كنت اطرده من حياتي دون أن اشعر. كان يكفيني وجود أبني كريم معي. فكلما احتجت لشيء طلبته منه، فلا يتردد أو يناقشني فيه بل ينفذه و على ملامحه ابتسامته التي اعشقها. حتى كلمات الحنان و الحب كنت أكتفي بسماعها منه. لم أعد اشعر بحاجتي لزوجي خاصة بعد أن أصبح لي راتبي الشهري الذي اقبضه من عملي. هجرت غرفتنا و هجرت مشاعري له. هجرت حبه لي. حتى أولادي هجرتهم. هجرت المجتمع بأكمله. فقط كريم هو الذي لم اهجره و لولا عملي لكنت اعتزلت الحياة لأمكث في غرفته ليل نهار. كنت أنام الليل و هو نائما في حضني. أدعوا له في سري بالشفاء. كنت استيقظ كل ليلة على يده التي تهزني برفق كي أفيق و هو يقول: _ أمي. إنه كابوس. لا داعي لهذا الخوف. فأنتفض مستيقظة لأجدني غارقة في عرقي، فاستعيذ بالله من ذلك الكابوس. كل ليلة نفس الكابوس. يتكرر و يتكرر كأنه لن يتوقف أبدا عن زيارتي_ ابني كريم يموت. هل حقا هو الذي كان يموت؟! في الواقع لم يكن وحده يموت. بل كان حبي يموت. كان عشقي يموت. كان روحي يموت. كان زواجي يموت. كل شيء كان يموت .. يموت في هدوء و أنا تائهة في غيبوبتي. كانت أسرتي كلها تموت و أنا مصابة بالعمى، فلم أنقذها من الموت. حتى حين صرخ في زوجي في أحد الأيام قبل رحيله بفترة قصيرة طالبا مني أحياء البيت كما أمته لم أفهمه بل لم أرد أن أفهم. كنت مستسلمة لخوفي على ابني، منساقة وراء حبي المرضي له، فلم ينفع معي الكلام. و الآن و أنا أتذكر زوجي تعتصرني الآلام .. أين هو الآن مني؟! و أين أنا الآن منه؟! تمت بحمد الله
إيمان عزمي
أحضان الوهم

لم تشعر في جلستها تلك أنها تستطيع التوصل لقرار، فكلماته الصادمة لها مازالت تلقى في وجهها كأنه لم يمر عليها ثلاث ليالي. بدت كمن يفكر في قرار مصيري لكنها رغم ذلك ابتسمت بمجرد أن سمعت صوت المفتاح يدار في الباب. انتظرت أن تراه يدخل عليها بوجهه الخجول ليعتذر لها عن نوبة غضبه كما يفعل دائما لكن الدقائق مرت دون أن تسمع خطواته تقترب من باب الغرفة. ودت لو أتى إليها بعد سفره المفاجئ فاتحا ذراعيه هامسا باسمها.. فقط أسمها هو كل ما تتمنى أن تسمعه لتنسى كل شيء. لكن الصمت هو كل ما سمعته. مرت الدقائق ببطء ليعلن عقرب الساعة مرور ساعة على ذلك الصمت. فتسللت خارج الغرفة. بحثت عنه في الغرفة المجاورة لكنها لم تجده ثم خرجت للصالة تتجول بعينيها في كل ركن فيها لكنها لم تلمح حتى ظله. عادت إلي غرفتها لكنها تسمرت عند عتبة بابها قبل أن تدخلها على أطراف أصابعها. كان متكورا في حضن السرير كجنين في رحم أمه. كم تشتاق لبكائه في حضنها كلما ضاقت عليه الدنيا. مازالت تسمع جملته في أذنيها: _ إنه المكان الوحيد الذي أستطيع البكاء فيه بحرية. اقتربت منه. كانت خصلات شعره تخبئ جبينه العريض. أرادت أن تمد يدها لتزيحها و تمسح بكفها عليه كما تفعل كلما رأت الإرهاق باديا على وجهه لكنها وقفت تتأمله. أطلقت زفرة حارة و هي تنظر لإطراف أصابعها في خجل فلطالما داعبت بها تلك الشعيرات النابتة في ذقنه و هو نائما لتوقظه لكنها الآن لا تستطيع إيقاظه. لاحظت العرق المتسلل إلى جبينه. كان نائما بملابسه فتعجبت! هو يكره النوم بملابس الخروج. مطت شفتيها و هي ترى خصلات شعره الغارقة في عرقه. بدا أكثر أغراء في نومته الحزينة تلك، كادت تصرخ فيه مصرحة بالأمر، لكن كبرياءها قفز أمام عينيها مذكرا إياها بما فعله. تحرك في السرير فانتفضت متراجعة للخلف مخافة أن يراها واقفة تتأمله لكنه لم يفتح عينيه قط بل عاد لتكوره و لكن في الجهة المقابلة لتختفي ملامح وجهه كليتا عنها. لمحات من شجارهما الأخير بدأت في القفز أمام عينيها. لكنها طردتها سريعا و توجهت للجهة الأخرى من السرير لتتمكن من رؤيته. _مجنونة. خرجت الجملة من فمها دون إرادتها فهكذا رأت نفسها في تلك اللحظة. لم تستطع أن تتمسك بغضبها منه. فقط أرادت أن تتأكد إن كان يحبها كما تشعر أم أن الأخرى غلبتها؟ جلست على مقعد مواجه له. كانت ملامحه تنطق بالندم، السواد الذي أسفل عينيه يقسم أنه لم ينم الأيام الماضية. و الشفتين الباهتتين يعلنان أنهما في حاجه لمن يحيهما. و الوجه الشاحب يصرخ بعذاب صاحبه. لم تستطع أن تحتمل أكثر من ذلك. فانسابت دموعها رغما عنها. غادرت المقعد مسرعة راجيةً في الهروب خارج الغرفة قبل أن يرتفع صوت بكائها لكنها بمجرد أن وقفت إذا بيده تمتد تخطفها من مكانها لتكورها في ثانية في حضنه على السرير। ألتفتت له و شحنات الغضب تتطاير من ملامحها لتصرفه لكن ما أن التقت عينيها بعينيه حتى ذاب كل شيء. كان عليها أن تقاومه و لو لثانية و هو يمد كفه ليداعب وجهها انتصارا لكبريائها المجروح لكنها بدلا من ذلك دفنت وجهها في كفه فضمها إليه أكثر.

.~.~.~.

فتحت عينيها. كان يغط في نوم عميق و قد دفن رأسه في حضنها. ظلت صامته في جلستها تلك فترة ثم حاولت أن تغادره لتعيد ترتيب أعصابها التي تلاعب بها بين يديه منذ قليل لكن يده التي أعادتها إلي مكانها أفزعتها فقالت بعد أن هدأت: _ متي يحين لنا الكلام؟ أحتاج للكلام. تحرك في السرير و قال و هو يرفعها معه ليستندا إلى ظهر السرير: _ فلننسى ما حدث فلنجعله ماضي. لن يفيد الكلام الآن. عضت على شفتيها قائلة: _ لماذا كلما حدث حوار بيننا في غير الحب توأده؟! لماذا لا يمكننا الحديث في مشاكلنا؟! تطلع إليها. كانت عينيها ممتلئة بالدموع فمسحها بكفه ثم قال: _ تعلمين أننا كلما تحدثنا عن مشاكلنا تفاقمت أكثر. فلنتركها. مسحت بكفها على خده قائلة: _ لكننا نتركها دائما. _ و لماذا نهتم بها ما دامت تضايقنا؟! وغادر السرير في طريقه إلى الحمام. فقالت بغيظ: _ فلتهرب من حديثنا كما تهرب دائما؟ ألتفت لها. كان وقع الكلمة في نفسه قويا فقال و هو يجز على أسنانه: _ لست خائفا لأهرب، فكل ما أبغي هو تجنب المشاكل. _ لكن هروبك لا يحلها و لكن يؤجلها. أمسكها من معصمها و صرخ فيها قائلا: _ قلت لست بجبان لأهرب. حاولي أن تستوعبي ما أفعله. أنني أتجنب الصدام معك ِ للحفاظ على هذا البيت. أغمضت عينيها و تفجرت الدموع منهما كالشلال، فجذبها إليه و ضمها إلي صدره و هي تقول: _ إنني متعبه. أحتاج لحل كل تلك المشاكل المؤجلة و ليس تجاهلها و تجنبها كما نفعل. ربت على رأسها و أخرج زفرة حارة و قال بصوت بدا قادما من أعماقه: _ صدقيني، لو كان بيدي الحل لحللتها. ثم رفع رأسها لأعلى لتواجه عينيه عينيها قائلا: _ لو كان بيدي شيء ما ترددت لمناقشة و حل كل مشاكلنا. أطلقت زفرة حارة ثم قالت بيأس و هي تبتعد: _ إذا لا حل. لكنه جذبها إليها قائلا: _ الصبر. فقط الصبر. _ و الأخرى؟ تراجع مبتعدا عنها و جلس على اقرب مقعد و هو يقول: _ لا أحد يأخذ كل شيء. و أنا قد اخترتك. _ لكنك تحبها. أغمض عينيه كأنه يستمد منهما القوة و قال و قد فتحهما سريعا: _ بل أحبك. و كفى حديثا عنها. _ لا، تحبها. ألا ترى وجهك كلما تحدثت عنها؟! أقترب منها و قال بصوت هادئ و هو يطوق خصرها بيديه: _ نسمه. كفى حديثا عنها. _ بل يجب أن تعترف أنك تحبها. هي حبك الأول و الأخير و ستأتي لك بالطفل الذي تبغيه. نظر لها متأملا وجهها. بدت عينيها كقطعتين من الياقوت اللامع فقال باسما: _ إنك لست نسمه بل إعصار نكد. و أخذ يقهقه عله يخرجها من حالتها تلك لكنها قالت و هي تجلس على طرف السرير: _ الوقت لا يصلح للمزاح. و نظرت له نظرة أخرسته، ثم قالت بعد أن هدأت: _ تلك هي النهاية. فلدينا من المشاكل ما يحتاج إلى قرارات جمهورية لحلها أولها الأخرى. جلس على ركبتيه أمامها قائلا و هو ممسكا بيديها يقبلها: _ و لكنى أحبك. حاولت أن تتماسك حتى لا تسقط مزيدا من الدموع و هي تقول: _ بل تحب زوجتك و لطالما ظللت زوجتك ستحبني، أما هي فهي حبك في القرب و البعد و احتياجك في كل وقت و سعادتك منذ سنوات. _ نسمه. بدا صوته أقرب إلى الاعتذار و طلب الغفران منه إلي الرغبة في الاستمرار ، فانتفضت و قد أحست بالضعف ينخر في أعصابها لكنها رغم ذلك أعطته ظهرها و خرجت من الغرفة مسرعة. توقعت أن يلحق بها فالتفتت لتجد الخواء رفيقها.

إيمان عزمي
السير في طريق الجنون

ظننت أنها ستفقد وعيها من كثرة ما انهمر علي خديها من دموع. كدت أقسم أن تلك المخلوقة أضعف من قابلتهم من البشر. أمسكت بقلبي محاولا منعه من الصراخ من أجلها. كل ذلك الحزن القابع في عينيها يجبرك على التأوه بالنيابة عنها و هكذا فعلت. اتشحت بالصمت لأيام و أنا أراها في طريق ذهابي و إيابي من العمل. غريب أن نصل كل يوم في نفس اللحظة إلى نفس المكان. منذ متي و نحن نتقابل صدفة؟ لا أتذكر. ربما منذ أشهر و أنا لا أشعر. ستسألني كيف لم تشعر بالأمر و هو منذ أشهر؟! و ما أسهل الإجابة، فرؤيتك لامرأة في محيط سكنك كل يوم هو شيء عادي، فربما تسكن في نفس المنطقة .. لكن أن تري كل يوم أمامك امرأة تبكي دون أن تداري دموعها عن فضول المارة هو حتما أمر لافت للانتباه. للمرة الأولي في حياتي يجرفني فضولي نحو امرأة. فقد كانت المرأة في عيني هي المخلوق الأدهى و الأغبي و الأعمي و الأهوج. ساحرة القلوب و العقول، لكن سحرها أسود لا محالة. معلمة الشيطان و أمهر مروضة لجنس الرجال. هي تسونامى الحياة، الخوف و الغضب، الصخب و الجنون. هي أبعد ما تكون عن الحنان و الأمان. فهكذا علمتني القصص. قصص أصدقائي الذين سحقتهم نساء لا يحملن بداخلهن قلب و لكن يحملن أفمام مصاصات دماء. دماء أراقها أصدقائي في حبهم الموؤد علي أيديهن، بل موؤد أسفل أقدامهن الناعمة في ظاهرها القاسية في وطأتها. ظلت تلك هي رؤيتي لسنوات حتى عرفتها تلك الباكية. كانت هي البادئة لكل شيء. بدءا بطلب منديل لتجفيف دمعها و أنتهاءا بإغمائها بالقرب من كتفي لأذهب بها لأقرب مستشفى و أنا لا أعلم أن تلك هي بداية نهايتي. فخلال يومين تسللت إلي داخلي و توغلت في بهدوئها دون أن أشعر و ... و عشقتها كالزهرة في صباح ندى. كالعطر في ليلة عشق، كالعذراء في ليلة عرس. كانت كل لغات الحب. و كل دموع الشوق. كانت زخات المطر لصحراء جدباء يطلق عليها خطأ أسم قلبي. كانت حورية استطاعت أن تخرج ذلك المدعو قلبي من تصوفه الأبدي. نعم كانت و كانت و كانت. فلم يعد لي سوى تلك الكلمة لألصقها بكل جملي، و لأدرجها في كل سطوري، لأتشبث بها في كل أحاديثي. و الآن دعك من السؤال فالقلم سيخط كل ما يحفظه من أحداث، فقط كن صبورا صديقي الذي لا أعرفه و لا أتمنى أن أعرفه، فيكفيني ما عرفته من بشر ليسو ببشر حتى تلك اللحظة. و الآن لتكف قليلا عن جعلي أثرثر فيما لا يفيد، فلدي الأهم لأقصه عليك. فهل أنت على استعداد أن تستمع لقلب مطحون من آلة أشد طحنا من آلة طحن البن و أشد قوة من آلة طحن الحبوب. إذا كنت مستعدا فلتجلس جيدا على مقعد مريح حتى لا تطحنك آلامي و كلماتي كما طحنتني تلك التي كنت أطلق عليها الحياة. .~.~.~. أين توقفنا في حديثنا. نعم تذكرت توقفنا عند توغلها في نفسي دون أن أشعر. أتعرف هل جربت أن تترك نفسك لموجة البحر لتلعب بك كيفما تريد و تذهبك أينما تشاء؟ ربما فعلت ذلك مرة أو مرتين و أنت تعتقد أنك تعيش المتعة كما لن تعيشها لو قاومتها و لكن دعني أحذرك صديقي فما تراه اليوم ممتعا ربما يذهب بعقلك في الغد بل ربما يطيح بك إلي غيابات الدنيا، لترقد في القاع دون أن تجد وسيلة للعودة ليس للهو و ليس للمتعة و لكن فقط للسطح، سطح هادئ تشعر معه أنك مازلت حيا و تحمل لقب إنسان. .~.~.~. كنت قد وصلت مع حوريتي كما كنت أحب أن أدعوها إلي ألا حدود و عرفت خلال أيام ما غاب عني سنوات. كل ذلك دون أن أعرف سببا لبكائها الذي جرفني إليها، فقد كان يكفيني أنى رأيت ابتسامة طفل على ملامحها الشديدة الأنوثة، تلك الملامح التي لم تلوثها يوما بالماكياج أمامي و رغم ذلك كم أتمنى اليوم لو كانت لوثتها بالماكياج بدلا من تلويثها برزاز شفاهي المتلهفة دائما لما هو أكثر من مجرد قبلة. هل يمكنك أن تتركني قليلا يا صديقي لأستنشق بعض الهواء النقي. كم أتمنى أن أنقع في النقاء للأبد. أتعرف ماهية النقاء؟ ربما لو كنت قد عشت مثلي لعرفت، و لكن خير لك ألا تعرف حتى لا تعيش مثلما كنت. أعتقد أنني لو تركت لنفسي العنان الآن ما أكملت لذا دعنا نعود لحديثنا الممل عما حدث لي أو بمعنى أصح عما فعلته بنفسي. و ساعدني علي عدم التوقف مرة أخرى فربما تكون المرة القادمة توقف إلي الأبد. كنت كما أخبرتك من قبل قد وصلت معها إلي ألا حدود و بينما نحن في ألا حدود إذا بها للمرة الأولى تقول: _ سأسافر غدا في مهمة عمل. للمرة الأولى تأتي علي ذكر العمل فكل ما قالته لي في بداية تعارفنا أنها تعمل في شركة و أطلقت من فمها مسمى وظيفي باللغة الفرنسية التي تجيدها و لم أسألها يومها عن المعني حتى لا أظهر بمظهر الجاهل. فقد كنت لا أفقه كلمة واحدة في تلك اللغة التي اضطررت لدراستها و أنا في المرحلة الثانوية لتختفي من حياتي لسنوات حتى تعود للظهور علي يدها و هي تنطق ببعض تعليقاتها عليا بها. كنت أشعر بالفخر رغم عدم مفهمي المطلق لأي من تلك التعليقات فليس المهم الفهم و لكن المهم أنها كانت تتغزل في بلغة أخرى غير اللغة التي حفظت مفردات غزلها من كثرة ما شاهدت من أفلام عربية سواء في شاشات التلفزيون و السينما أو شاشات عرض الحياة في كل شارع سرت فيه علي أرض المحروسة. و للمرة الأولى منذ ألتقينا أدركت أنني سأفقدها. لم أعرف لما انتابني ذلك الشعور يومها و لكن ربما لآن روتيننا اليومي الذي استطاعت أن تجعله كجرعة أفيون لا يمكن الاستغناء عنها سوف يختل بمجرد سفرها. بدءا بدقة الساعة في يدي و أنا أطرق عليها بابها في العاشرة مساء و أنتهاءا بدقة الساعة لتعلن انتصاف الليل و ضرورة رحيلي كأني اتخذت موقع سندرلا في أرض الواقع. و لم تكن تلك الساعتين التي أستنشق فيها رحيقها بالقليل كما تعتقد، فهي تستطيع أن تصبح كل فصول العام في نصف ساعة و أن تصبح كل نساء الأرض في ساعة فما بال ساعتين. و علي الرغم من رفضها المتكرر لتغيير ذلك الروتين إلا أنني لم أتزمر فقد جعلتني لا أقدر علي إغضابها و لو بنظرة لذا استسلمت راضيا بقرارها. _ تسافرين؟! انتفضت من مكاني و قد تزاحمت الأسئلة في عقلي محملة بكل كلمات الاستفهام: _ لماذا؟ كيف؟ لمتي؟ أين؟ ... حاولت تهدأتي بإحدى ابتساماتها الساحرة لكن الصدمة كانت أكبر من أن تؤثر فيها ابتسامتها. كنت كمن ألقي عليه قرار إعدامه و هو نائما في حضن سريره دون أن يعرف تهمته. لذا ارتديت ملابسي بسرعة لم أتوقعها و جلست دون حركة على الرغم من مغادرتها السرير بصورة تجعلك لو كنت مكاني كحمم لافا متدفقة في شتاء القارة القطبية الجنوبية. لكن رغم ذلك كنت كشتاء كوكب بلوتو التي لا تصل إليه حرارة الشمس أبدا لتدفئه. مرت دقائق حتى استطاعت بعد جهد أن تعيدني إلي حيث بدأ الحديث. و لا أخفيك سرا أنني كنت أقاوم مجهوداتها لتبذل جهدا أكبر يعوض صدمتي حتى استسلمت أخيرا بعد أن أقنعتني أنها تتمزق منذ لحظة معرفتها بالأمر، فأشفقت علي ملاكي الصغير من العذاب بعد أن ذقته طوال اللحظات السابقة، ذلك العذاب الذي كنت أراه اقصي عذاب يمكن أن يغرز في قلب إنسان. لذا طبعت قبلة صغيرة على جبينها و قلت بسعادة من استخرج الحل من مجرة كونية أخرى غير مجرتنا: _ فلنتزوج و دعك ِ من العمل. كانت المرة الأولى التي يدخل فيها لفظ الزواج حوار بيننا و اعتقدت أنها ستكون أسعد مني بالأمر، فلم أكن أملك سوي الاستعداد المعنوي للزواج أما المادة فهي أبعد ما تكون عن يدي. لكنها بدلا من موافقتها غادرت السرير و ارتدت ملابسها على عجل و قبل أن أستوعب رد فعلها كانت واقفة عند الباب، قائلة و هي تفتحه: _ لست مجنونة حتى أتخلى عن مفتاح الخزنة زوجي أما من هم مثلك فما أكثركم. و تركتني و غادرت المكان. .~.~.~. تريد أن تعرف شعوري في تلك اللحظة؟ لن أخبرك، فأنا نفسي لا أتذكر ذلك الشعور، بل لم أستوعب كينونته حتى الآن. فقط كل ما عرفته بعد ذلك بسنة حين فقت من غيبوبتي أنني كنت قد مزقت عقلي بيدي و أنا أخطو أولي خطواتي داخل تلك الشقة التي لم تكن سوى شقة مفروشة مدفوعة الإيجار لمدة شهرين. و الآن بعد أن أخبرتك بقصتي معها، هل يمكنك أن تتركني لأنعم بذلك الهدوء الأبدي؟ فلا تطالبني بالحضور إلي جلسات العلاج مرة أخرى، فأنا لا أبغي الرحيل من تلك الغرفة. و لا تقلق يا صديقي يمكنك أن تكتب في تقريرك الطبي مجنون دون أن يعذبك ضميرك. فكل ما فعلته هو السير في طريق الجنون.
إيمان عزمي
مصيـبـــة
اندفع إلي الغرفة صارخا و هو يكاد يمزق الهواء أمامه، فانتفضت مبتعدة عن طريقه حتى التصق ظهرها بالحائط دون أن تجرؤ على الكلام، بل لم تجرؤ علي أن تتحرك قدر أنملة من مكانها. فقط حاولت أن تستقرأ بعينيها ما يبحث عنه. أما هو فلم يعبأ بذعرها بل ظل يصرخ قائلا: _ إنك ِ لا تفقهين شيء. عن أي شيء يتحدث؟! لم تجد بعد تفتيش عقلها ما يمكن أن يرشدها لسبب ثورته تلك. فكل طلباته تتحول لديها إلي أوامر تنفذها كعسكري أمن مركزي و رغم ذلك لم تنزع يوما أنوثتها عنها و هي بين يديه. لم يساهم صمتها في حمايتها من اندفاعه ناحيتها و جذبها من معصمها و دفعها للجلوس علي السرير لذا قررت أن تتسلح بالكلام لكن لإشارة يده أوقفت فمها قبل أن يتحرك. جلس أخيرا علي مقعد السرير. أرادت أن تجفف عرق وجهه بيدها لكنها تعلم كم يبغض ذلك التصرف حين يكون ثائرا. لذا اكتفت بأن ربتت بيدها علي يده قائلة: _ عزيزي... و قبل أن تكمل كانت حرارة يده التي تكفي لإنضاج أثلج طعام في دقائق جعلتها تشهق: _ يا الله. أزاح كفها عنه، فوفقت تبغي التصرف سريعا لخفض حرارته لكنه جذبها من يدها و أجلسها مرة أخرى قائلا: _ فلتذهب صحتي للجحيم. و أمام جملته الأخيرة استسلمت له ليصبح الصمت هو صاحب الكلمة الأولى بينهما لدقائق. حاولت أن تستخدم خبراتها السابقة معه في القضاء على ثوراته لكنه قال: _ أين هو؟ _ ماذا؟! _ قولي من؟ المحروس .. ابنك بالطبع. تمنت لو تطالبه بالكف عن مناداته بذلك اللقب. أليس هو ابنه أيضا؟ لكنها أمسكت لسانها قبل أن ينطق ، فالموقف لا يحتمل مثل ذلك الكلام ثم قالت: _ في الجامعة. الآن تستطيع أن تتبين سبب ثورته. لابد من أنه ... _ نعم من غيره يستطيع إثارتي بتلك الطريقة فكلما دخلت من بابا الشقة أجده أعد لي مصيبة جديدة. أجفلت الزوجة من كلمة مصيبة. تري ماذا فعل ابنهما تلك المرة؟؟ هي تتذكر مشكلة الأسبوع الماضي حين أخذ السيارة دون أذن والده و عودته في صباح اليوم التالي و كيف كاد ينفجر فيه لولا قيامها بتهدأته، فالوقت كان مبكرا جدا و لن يناله سوي دعوات من سيوقظهم بصوته من الجيران. و تتذكر مشكلة أول أمس حين أخذ بذلته الجديدة ليحضر حفل زفاف صديقه و كيف عاد يومها و قد لطخها بأشهي المأكولات. ترى ماذا فعل اليوم؟؟ سألته فما نالها إلا صراخه في وجهها: _ تسألينني؟! لم و لن تلاحظي شيئا أبدا. تركها و اتجه إلي هاتفه المحمول و اتصل به لكنه ألقاه فجأة علي السرير و قال: _ لقد أغلق ابنك هاتفه حتى لا أعنفه و أطلب منه العودة. ذلك الولد يحب استفزازي. _ بالطبع لا. أنه يحبك. ربما الشبكة هي المعطلة حيث يوجد. _ نعم.. ستدافعين عنه كما تفعلين دائما، أليس تربيتك؟ _ ماذا؟! لن أجاوبك و أنت في هذه الحالة و لكن دعني أذكرك أنك أنت من قام بتربيته. أم نسيت أنك عاقبته على سقوطه في العام الدراسي الماضي بأن أعطيته مصروفا لقضاء أسبوع مع أصدقاءه في الإسكندرية بعد ظهور نتيجته بيوم واحد. و مواقف أخرى كثيرة. و الآن ما سبب كل تلك الثورة؟! نظر لها بغيظ و قال و هو يجز علي أسنانه قبل أن يخرج مندفعا و يغلق الباب عليها: _ لقد أخذ شرابي يا هانم. الشراب الذي سأخرج به.
إيمان عزمي
أبو البنات
_ اصمتي، لم اعد أحتمل. ابتلعت ريقها و قد أنزفتها جملته ثم قالت بعد لحظة صمت: _ هل أكذب عليك حتى لا أجرحك؟! أنت تعلم أنى لا أستطيع أن أخفي شيء عنك. و رغم ذلك لم تكمل كلامها فقد ابتلعت باقي الحوار و غادرت المكان. لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يتجادلان فيها لنفس السبب. لكنها أحست أنه كان قاسيا اليوم عليها لذا آثرت الصمت. لحق بها و جذبها من معصمها و لفها لتواجهه. كانت زخات الدموع تخترق قلبه قبل أن تسقط من مقلتيها، فمسحها بكفه قائلا: _ تعلمين كم أتألم كلما لفظتي باسم رجل غيري. ارتجفت من لمسة يده الحانية فانتفضت خطوات مبتعدة عنه، فلطالما هزت كيانها و أربكتها رغم كل تلك الأعوام. كانت غاضبة من ثورته عليها لكن نظرة حزينة واحدة منه تكفي لتذيب غضبها و لو كان ملئ الدنيا.بل إطلالة واحدة حزينة من عينيه تكفي لتغضب من نفسها طول العمر. كادت أن تنطق لكنه وضع كفه على فمها قائلا: _ لا تنطقين فقد صرخت عينيك ِ بكل شيء. ابتسمت فأشرق وجهها و وجهه و هي تقول: _ و بما صرختا يا أبو البنات؟ أطلق زفرة حارة و تمنى للمرة المليون لو يحذف اسمه من شهادة ميلاده ليكتب بدلا منه لقبه لديها " أبو البنات" جذبها من خصرها حتى قضى على المسافة بينهما و هو يقول: _ يا لك ِ من امرأة. تستطيعين إخماد ثورتي في لحظة بذلك اللقب لتشعلي غيرها. ثم همس قائلا: _ أعشقك ِ أيتها الحورية. و كاد أن يقبلها لولا: _ بابا .. بابا .. _ بابا.. بابا.. تراجعا مبتعدين سريعا للخلف ليجدا ابنتيهما قد حملتا باقة من الورد الصناعي الكائن في مزهرية غرفة الصالون، ففغر فاه الزوجين و قال الزوج و قد جلس على ركبتيه ليضم ابنتيه إلى صدره: _ ما هذا؟! هنا ابتسمت الطفلة الكبرى و قالت بعد أن وضعت قبلة على خد والدها: _ إنه الورد الذي تتصالحا به دائما.
إيمان عزمي
احتراق

اتسعت عينيها ذعرا و تقلصت معدتها بشدة و هي تستمع لذلك الصوت الأنثوي الرقيق. أخذت تنظر لشاشة الموبايل مبهوتة و قد تأكدت من الرقم. بل تذكرت أن نغمة الكول تون التي سمعتها هي التي اختارتها بنفسها. لم ينطق لسانها بأكثر من تكرار الرقم على مسامعها رغم تأكدها منه. للمرة الثانية يأتيها الصوت الأنثوي ليطعنها في كرامتها، كبريائها، و قلبها و هي تسألها السؤال الذي رغبت هي بشدة في سؤالها لها: _ من أنت ِ؟ شعرت و هي الزوجة أن الصوت الأنثوي أطاح بها آلاف الأميال بذلك السؤال. تحجرت عينيها و هي تتخيل صاحبة الصوت و أحست بالحوائط تطبق علي أنفاسها و كادت تختنق و لولا آيات الاستغفار التي أخذت ترددها لازدادت حالتها سوءًا. ارتمت على اقرب مقعد لها تفتش بين ثنايا عقلها عن إجابة للسؤال الذي أخذ يمزقها. من أنتِ يا صاحبة الصوت؟ ثم أمسكت صورته بين كفيها. أرادت أن تمزقها و قد أغاظتها ابتسامته التي طالما عشقتها لكن لم يطاوعها قلبها. ألقت الصورة جانبا و كأنها تشعل بها المكان. و لو وهلة أحست أن غضبها سيحرق كل شيء. عاودتها ألآم الكُلى مرة أخرى لتزيد غضبها اشتعالا. بل تفجرت الآلام في أنحاء جسدها فاقتحمها صداع الرأس و تشنجت أطرافها و .. إلخ.و بينما تفكر في الأمر أقتحم عالمها طرقات على باب الشقة فانتفضت واقفة تتحرك في كل الاتجاهات .~.~.~. _أكيد أخبرته. سوف ترى. أتخني؟ كذاب. منافق. سأقتلك. لا.لا. خسارة فيك القتل. سأحرمك مني. هنا انهارت على الأرض تبكي. فقد كانت تعلم أنها لن تعاقبه هكذا و لكنها ستعاقب نفسها و تحرمها منه. كانت تعلم أنه لو جاء و اعترف لها بكل شيء لارتمت في أحضانه كأنها المذنبة و سامحته. كانت تعلم و تعلم و تعلم... إلخ. ظل صوت الجرس يعلو ليزعج تخطيطاتها له تارة و ينتزعها من ضعفها تارة أخرى. و أخيرا تحركت كالإعصار ووقفت أمام المرآة تعدل من مظهرها المزري. _يجب ألا يراني هكذا. ثم اتسعت ابتسامتها و هي تقول بتحدي: _ بل يجب ألا يراني. و قالت في سعادة و هي تمسك بمفاتيحه للشقة: _سأدعك تعتقد أنى غادرت لوالدتي، سأتركك تتعذب و أنت تبحث عني في كل مكان. سأجعلك تجن و أنت تعتقد بحدوث مكروه لي. بل سأجعلهم يتهموك بقتلي. ثم كتمت ضحكة شيطانية أرادت أن تنطلق من بين شفتيها و هي تتجه إلي باب الشقة لترى ملامحه المذعورة بعد أن أزداد صوت الجرس علوا. لكنها ما أن نظرت من العين السحرية حتى فوجئت بعدم وجوده. فبحثت عن مصدر الصوت الذي ظل يزداد ارتفاعا حتى أيقظها صوت المنبه لينتشلها من الاحتراق. .~.~.~.
إيمان عزمي
شمس
تطلّعت إليه. كانت ملامحه تحمل من الهموم أكثر ما تحمل من الجد. و رغم ذلك لم تغادر الابتسامة وجهه قط.لا أعرف كيف يحقق تلك المعادلة الصعبة، فقد جربت مرارا و تكرارا أن أقلده لكنى فشلت. ربما لأن لي طبيعة سوداوية تميل للحزن حتى و إن لم يتواجد. بالأمس كنت أتصفح بريدي الالكتروني فوجدت تلك الرسالة التي ابغضها بشدة. كانت من غادة. دائما تصر على مراسلتي في الوقت الذي احتاج فيه للحديث معها. لو افهم كيف تحبني كل ذلك الحب و لا تشعر بحاجتي إليها. كانت رسالتها مزيج من الاعتذار لعدم قدرتها على ملاقاتي لانشغالها الشديد و كلمات الحب التي لم أرى امرأة مثلها تجيد كتابتها على الرغم من امتلائها بالحياء. غريبة أنت ِ يا غادة . غريبة ككل شيء أهواه. تحدّثت إلى عاطف بكلمات لا تحمل معنى أو هدف. لاحظ شرودي المتكرر و كاد أن يسألني عن أخر تطورات حياتي لكنى وقفت للانصراف في الوقت الذي كان يهم فيه بفتح فمه فأطبقه و هو يستمع لوداعي التي احتار كيف يعلق عليه لذا تركته في حيرته و رحلت. سرت ساعات طويلة دون هدف و أخيرا توقفت أمام كورنيش النيل. كنت متعبا بشدة لكنى لم استطع أن اجر قدمي في تجاه شقتي. فهناك ترقد هي لتموت ببطء لا استطيع أن أتحمله. عاتبتني غادة كثيرا على هروبي منها و كثيرا ما دفعتني للبقاء معها و ربما يكون هذا هو السبب الحقيقي لرفض رؤيتها لي الآن. لماذا عليا دائما أن أبقى في أماكن لا أريد البقاء فيها. أنا لا استطيع أن اخصها بلمسة حنان و أنا أرى الموت يزورها كل يوم. ألا يكفيني ثلاثة اشهر من العذاب؟! ستقولون أني قاسي القلب . ارغب في موت زوجتي من أجل أن أعيش مع محبوبتي . لكنكم لا تعرفون كم أتمزق بين المرأتين، فكلاهما أحبهما و لا استطيع الاستغناء عنهما. أرجوكم لا تقولوا أني زير نساء، فأنا لا أهوى النساء كما تعتقدون لا أقصد أني أكرههم . أنا فقط أهوي شمس و غادة بنفس القدر. و لا استطيع أن أرى أي منهما تتعذب بسببي. _ آه . آه . شمس. س.. ت.. ت .. سا .. ئلو.. ن لم َ أتأو .. و .. وه؟! و الإجابة أيضا غريبة. دعوني أولا أسرع إلى شقتي و سأجيبكم هناك. *~*~*~* دخلت غرفتنا مهرولا و أنا أكاد افقد تنفسي . كانت شمس راقدة و كأنها على وشك الأفول. شاحبة الوجه. تكاد لا تتنفس. و عينيها شبه مغلقه. و رغم ذلك رقصت الابتسامة الواهنة على شفتيها حين رأتني. صرخت باسمها فلا يمكن أن تكون تلك لحظاتها الأخيرة. و ألا أكون أنا أيضا...... عرفتم الآن لماذا أتأوه؟ إنها ليست المرة الأولى التي اشعر فيها بآلامها . بل إنني دائما ما أتعذب معها كلما تعذبت. لو اعلم كيف تتحمل كل ذلك الألم و هي المرأة الضعيفة في حين أنى أكاد افقد وعي من العذاب و أنا الرجل صحيح البنيان. نظر كل من في الغرفة لي و حاولوا تهدأتي و لكن كيف و هم لا يعلمون علتي ، فانا أموت معها. الآن فهمتم. لا .. لا. الآن أنا الذي فهم. فقلبي لا يحتمل سوى شمس. فقط شمس. نصفي الآخر الذي ولد معي في نفس اليوم . ألسنا نحمل نفس الاسم؟ نعم أنا شمس و هي شمس فكيف تأفل و أب .. ق .. ى .. أ.. ن.. ا ؟! *~*~*~*
إيمان عزمي

عاشق الوقت

معروفا عنى عشقي للوقت. نعم. ألم تقابل أحد يعشق الوقت من قبل؟ اعتقد أنك لو عشت في مصر فإن ذلك النوع من العشق هو أندر الأنواع هنا على الإطلاق. و لأني اعشق الوقت ذلك العشق الذي تعلمته من والدي فقد اعتدت على تنظيم حياتي بمنتهى الدقة الاستيقاظ الساعة كذا و النوم الساعة كذا، حتى وجبات طعامي اعتدت أن يكون لها مواعيد منتظمة، فإذا تأخر الميعاد فإن الكارثة تحل على معدتي التي ترفض تقبل أي طعام إلا في ميعاد الوجبة التالية. في المدرسة كنت أكثر التلاميذ التزاما بمواعيد الحضور و اقلهم غيابا و لا أخفى عليك أن عشقي للوقت كان يقابله زهد في الدراسة، فما أمسكت بورقه و قلم قط لأذاكر إلا في مواقيت الامتحانات فقط. و ربما تلك العادة ليست من طباعي و لكنها مكتسبه بحكم العشرة لزملائي فقد كنت و مازلت شديد الشغف بالقراءة. تناقد غريب أليس كذلك ؟! هكذا نحن المصريين أكثر شعوب العالم تناقضا. أما في الجامعة فقد كنت أصل قبل ميعاد المحاضرة بنصف ساعة و هههه لم أكن احضرها بل أجلس لأستمتع بيومي في ساحة الجامعة بين شلة الأصدقاء و رغم ذلك تخرجت من الجامعة بعد أن كان الجميع قد اقسموا على أنني سأصبح معيد بها. انتظر. لا تفهم معيد خطأ، إنني أقصد معيد، هاه .. معيد .. فهمت: يعني تخرجت من غير ما أعيد أي سنه دراسية. نأتي للمرحلة الأخيرة من حياتي. لا أعرف لما سميتها الأخيرة و لكن ربما لأنها الأخيرة ؟؟ كنت قد تخرجت كما أخبرتك دون أن ارسب و لكني تخرجت بالتقدير العام الشعبي_ مقبول، فأنا لا أحب العنتظة ، فلماذا اترفع عن الشعب و لماذا أكون أفضل منهم؟ بدأت رحلة الكفاح الحقيقية بالبحث عن عمل و كما هو معروف دخت السبع دوخات. مش عارف ليه همه سبعه، بس .. احتمال يكون السبب إن عدد أيام الأسبوع سبعه. على العموم دي مش مهم. اصل كل الإجابات جائزة. و في أحد الأيام بعد أن انتهيت من الإفطار و عدت إلى غرفتي لأقرأ الجرائد قرأت و أنا اشرب فنجان القهوة الذي يلازم شفتي ليل نهار منذ تخرجي و لا تسألني لماذا يلازمك؟ فإنه أفضل من ملازمة السيجارة لي كما يقول والدي. ألا تتفق معي أنه كذلك؟ يعني بحاول أحافظ على الباقية الباقية من صحتي المعدومة من كثرة البحث عن وظيفة تناسبني. المهم نعود لكلمنا .. هو أحنا كنا بنقول إيه؟ آه افتكرت. قرأت في أحد الجرائد إعلان عن طلب سكرتير. حمدا لله أخيرا وجدت الوظيفة المناسبة لي. و السكرتير في بلدنا شيء غريب أصل الوظيفة دي عندنا مقصورة على الستات و متفهمنيش غلط . احنا عندنا ستات بميت راجل. كلام في سرك أكثرهم أرجل من الرجالة. شوش متضحكش و لا تعلق أحسن واحده منهم تسمعنا و تفهم غلط و تبقى وقعتنا ألوان الطيف. و كالعادة قمت بإعداد نفسي جيدا للتقدم للوظيفة: نمت مبكرا كالعادة في الثانية صباحا و استيقظت مبكرا كالعادة في الواحدة ظهرا. تناولت إفطاري المعتاد في الواحدة و الربع ثم تناولت غداءي المعتاد في الرابعة و النصف مع أسرتي. أما عن الوجاهة، فممكن أقول لك إني غسلت شرابي و منديلي إلى هحطه في البدلة بأيديا الاثنين بصراحة كان مجهود لأني بعد كده جبت البدله من عند المكوجى. ارتديت ملابسي و كنت جاهزا قبل ميعادي بساعة طبعا والدتي فضلت تدعي لي دعوات الدنيا و الآخرة و تزفني إلى باب الشقة و أغلقت خلفي الباب و الدمعة تفر من عينيها. حقا إنها أم لا تعوض. زعلانه علشان مش لاقى شغل. طبعا لازم يجلها اكتئاب ما أصلها صعب قوى إن راجل ملو هدومه ذيّ عنده 28 سنة و لسه بيدور على وظيفة محترمه مع إن المفروض أكون دلوقتى بدور على عروسه محترمه. آآآه و ألف آآآآه. كنت قد حسبت الوقت الذي سآخذه من منزلي حتى مقر الشركة التي سأتقدم لها و لأن ميعاد مقابلتي كان الساعة السابعة مساءَ فقد حرصت أن أعطى نفسي وقت كافي تحسبا للظروف. و وصلت للعنوان و كان غريبا عنى فأخذت الكثير من الوقت تبعا للوصفة التي وصفتها لي السكرتيرة تلك الوصفة التي كانت مكتوبة في ورقة موضوعة على المكتب أمامها و تقرأها لكل متصل. و كالعادة وصلت أمام باب الشركة قبل ميعادي بخمس دقائق فاستقبلتني السكرتيرة بابتسامة أثلجت صدري الذي كاد يتمزق من حرارة الصيف و كثرة بحثي عن العنوان. المكان جميل و منظم و المهم السكرتيرة الحسناء التي كانت في استقبالي و قد أخذتني ملامحها بعض الوقت عن الكلام . كانت شديدة البياض، لبسه لينسيز زرقاء و شعرها كان مصبوغ احمر من إلّى يروش. طبعا فضلت متنح لها ثم قلت لها أسمى بعد أن انتبهت على صوت ساعة الحائط الذي دق معلنا الساعة السابعة. نظرت هي المفكرة التي أمامها ثم جحظت عينيها فتوجست خيفة من ردة فعلها الغريبة و حاولت أن أبدو متماسكا فها هي البداية شؤم خاصة و قد علقت بقول : _ غريبة. لكنها سرعان ما قالت: _ تفضل و أشارت لي بالجلوس، فحمدت الله أنها اجلستنى لكني لم أجروء على سؤالها عن سبب تغيرها خاصة و أنها غادرت مكتبها و اختفت في احد المكاتب الذي لمحت منه لمحة صغيره افهمتنى أنه مكتب المدير. خرجت السكرتيرة و على وجهها ابتسامة أخرى زادتني انتعاشا أكثر من سابقتها ثم قالت: _ تحب تشرب إيه؟ كان نفسي أقول لها: _ أشرب شربتنا . بس إزاي . طبعا رديت بأدب و اعتذرت رغم إلحاحها الذي فهمت سببه بعد ذلك و طبعا تمنيت إني ما كنتش اعتذر. بس تقول إيه مغفل. مش أنته طبعا اقصد أنا. و كعادتي جلست صامتا لا أحاول أن افتح أي موضوع معها سواء لتضييع الوقت أو حتى لإبداء إعجابي بها أو لمعرفة أي شيء عن الشركة التي لم أكن قد عرفت بعد مجال تخصصها. لكنها فجأة قالت بعد أن طال الصمت بنا فقد كنا نجلس وحدنا في المكتب: _تعرف أنك الوحيد إلى جيه في ميعاده. قلت لها: _ ما أنا عارف. طبعا خفت تفتكر أنى مغرور. فقلت بسرعة: _ اصل أنا بحب أجي دائما قبل ميعادي. عاده و ما أحبش أغيرها. _على فكره المدير هيستقبلك حالا. حالا. يجب أن أتوقف عند تلك الكلمة كثيرا. تخيل كلمة حالا دي طلعت تساوى نصف ساعة انتظرتها جالسا مع السكرتيرة الحسناء تحدثني فيها عن العمل و عن الشركة و قصة كفاح المدير. صحيح على رأيك يا شويكار _ شيء لا يصدقه عقل. أن اصل في ميعادي شيء تعجبت منه السكرتيرة و بعد ذلك المدير المحترم. أما أن ادخل في ميعادي لمقابلته فقد احتاج الأمر لنصف ساعة. أنت عارف لولا أنى كنت محتاج الوظيفة كنت مشيت و ما قبلتوش لكن النصيب يصيب. و فضلت طول ما أنا جالس انظر في ساعتي ثم أعود و انظر في ساعة الحائط المواجه لي حتى جاء تليفون للسكرتيرة أغلقت بعده السماعة و قالت لي: _ أتفضل المدير في انتظارك. أنا لما قلت لى الجملة دي كنت هصوت من الغيظ. بجد هو إلى في انتظاري أمال أنا بعمل إيه طول النصف ساعة الماضية و دخلت. رجل طويل، بشوش، صافحني بحرارة كأنه يعرفني ، لكنه لم يعتذر عن لطعي بالخارج و تغاضيت عن الأمر فشكل الشركة جيد. بدأ يسألني عن مؤهلاتي و خبراتي التي كانت جميعها تنحصر في الجلوس في المنزل لأني دائما مفلس و علي توفير المصاريف علشان المصروف إلى بخده من والدي يدوبك بيقدى ثمن السجائر اللف.. أقصد ثمن القهوة إلى بشربها ديما في غرفتي و أعاد علي كل ما سمعته من السكرتيرة الحسناء حتى جاء وقت حديثه عن المرتب و طبعا أخيك كان ونون الشغل كثير و أكيد الشركة مش هتستخسر تدى فلوس على قد المجهود. أنا عارف أنى ديما بتعرض لصدمات بس المرة دي كانت صدمه شديدة قوى قال إيه المرتب 200 جنيه كله على بعضه. طبعا قلت في سرى أكيد الراجل ده بيهزر. بس هوه كان بيتكلم جد. قلت عايز يطفشني، بس ليه مهو لو مش عايزني كان من الأول ما دخلنيش. كانوا قالو لي إن الوظيفة انشغلت. و لأن دمى أتحرق بشده قررت أنى انتقم من المدير و احرق دمه هوه كمان و فضلت ساعة أرغى في كل ما تتوقعه و ما لا تتوقعه و قد حاول كثيرا أن ينهى المقابلة لكنى كنت غلس جدا جدا، و فجأه وقفت و قلت له: _شكرا وظفتك ماتناسبنيش. و خرجت و سبته بيغلى، أما أنا فقد شعرت بالسعادة الشديدة لتضييع وقته لأنه ضيع لي وقتي الثمين الذي اقضيه في غرفتي على سريري و معي سجا.. اقصد معي فنجان القهوة إلى بيعدلى دماغي. قال إيه عايز يديني 200 جنيه. طب بزمنك المتنايه دي تكفى ثمن القههههههوة الى بتتنفسها دي.

إيمان عزمي
كل ما أردته أن ابكي!!!!!!
جلست في أحد الأركان الهادئة في ذلك المكان الصاخب. بدا على وجهي أن الصمت و الهدوء في أوجهما لدي. فعينيني تشير للهدوء الشديد و شفتي المطبقة في كبرياء تدل علي زهد في الكلام رغم أنني كنت أعاني من العكس. لم ألتفت أبحث عنه كما تعودت أن أفعل من قبل. فقد كنت أعرف أين هو في تلك اللحظة. فقط أخذت أتطلع من خلف ستار النافذة التي تحجب الرؤية عن العالم الخارجي. هو يعلم أنني في انتظاره دائما. يعلم كيف يدير ذلك القلب المجنون به. يعلم أن ذلك المظهر المغرور يهتز عند قدميه ليبدو مهترئا لا قيمة له. أتأمل للحظات عمري الضائع في تلك الجلسة المستمرة. للمرة الأولى أشعر بالفراغ يجتاحني كشلال. في كل مرة كان يهرول إليّ و يبكي معترفا بجرمه كنت أضمه إلي صدري و أبكي معه و كأن دموعي تمحو ذنوبه كلها، فأنسى كل شيء كأن لم يحدث. و اليوم أعرف أي صدر يحتويه. أي شفة تلتهمه، فأنزف داخليا و أثور: _ أين كرامتك يا امرأة؟! فيحل صمتي علي صمتي. _ هل تلك هي الحياة؟! سؤال أدار رأسي، فصرخت بصوت لم يخرج قدر أنملة عن مقدمة حنجرتي: _ ليتني لم أعشقه. أتطلع في ساعة يدي. إنها الثالثة صباحا. ما عدت أحتمل. صور الخيانات السابقة ظلت تراقصني قرابة الخمس ساعات التي انتظرته فيها. هو دائما يعلم بميعادنا. لكنه تعلم أنني لن أنصرف حتى لو مر دهر على جلستي تلك حتى يأتي و يأمرني بالمغادرة. وقفت غاضبة و قد ألقيت ثمن الشراب على الطاولة، و الصوت الثائر في عقلي يصرخ: _ فلتنجي بنفسك، إنها فرصتك الأخيرة. نعم هي فرصتي الأخيرة. يا لسعادتي ها هو قادم يتلفت باحثا عني. ألوح له و أنا أكاد أفقد جاذبيتي من السعادة و أحلق عاليا. أنا هنا أيها الحبيب. هنا في انتظارك العمر كله. أبتسم لي ابتسامة لم أعتادها منه فتلك بها حدة غريبة. كان وجهه متجهما. لم أراه على تلك الحالة من قبل. ترى ما الذي أغضبه لذلك الحد. لم يلوح لي كما أعتدت. بل سار في تجاهي بخطوات يملؤها الغضب. نعم أنا أعرفه حين يكون غاضبا و هو الآن بلا شك في ثورة غضب. أكاد أقسم أنه على وشك الانفجار. دعوته للجلوس لكن بدلا من ذلك قال و هو ممسكا معصمي بقسوة: _ هل قابلتي سامر بالأمس؟ _نعم. قابلني. و تذكرت كيف قابلني، فقلت له باشتياق غطته نبرة صوتي المجروحة الغاضبة من تذكيره لي بالأمس: _ قابلني و أنا أبكي انتظارك ثلاث ساعات و أنت في أحضان تلك المرأة الأخر و أنا أتمزق مما يحدث بينكما. أراد صديقك أن يخفف عني مصابي المستمر فيك لكنه ما استطاع. كنت أتمني أن يخفف عني قليلا و لكن لا أحد غيرك يمكن أن يشفي قلبي. كم كنت أتمني أن يسمعني يهدهدني كما تهدهد الأم وليدها لكنه بمزيد من القسوة قال و هو يزيد ضغطا علي معصمي: _ خائنة. اعتقدتي أنني لن أعرف بالأمر. لقد أنتهي كل ما بيننا. ثم غادر في لمح البصر دون أن أستوعب كلامه أو أجاوبه. تركني أكاد أفقد وعي. خمس سنوات من المسامحة و النتيجة صفعة علي الوجه. لماذا؟! ماذا فعلت حتى يثور كل تلك الثورة غير المبررة؟! جريت خلفه استعطفه كي يفهمني أي جرم ارتكبته في حقه حتى ينهي حياتي بتلك الصورة. صرخت فيه: _ كيف تتركني هكذا و أنا المجروحة منه دوما؟! كيف تقابل تحملي كل نزواتك بتلك الطريقة؟! لكن لم تجاوبني سوى نظرات تتهمني بالجنون. لملمت سنوات عمري المهدرة و غادرت المكان و أنا مقروحة العينين. صممت ألا أخدع نفسي مرة أخري معه لكن ما أن جاء ميعادنا اليومي حتى وجدتني أنتظره في نفس مكاني عله يكون قد راجع نفسه و يعود سريعا إليّ. لكن الدقائق مرت و الساعات لحقت بها دون ظهوره. لم أغادر جلستي قرابة اليومين عله يعود، فلم يستطع صحاب المكان إقناعي بمغادرته، فكل ما أردته رؤيته بعد أن أغلق تليفونه المحمول حتى لا يرد علي مكالماتي المتواصلة. فوجئت بصديقته تأتيني ضاحكة قائلة: _ لقد علم بما حدث بينك ِ و بين سامر صديقه. و ماذا حدث؟! لا شيء سوى البكاء علي كتف صديقه. سبب غريب للهجر و الأغرب أن يأتيني منها. تلك التي بكي علي كتفها مرارا و تكرارا أمام عينيّ. تلك التي ثار عليّ من أجلها حين عاتبته لأني رأيتهما معا في أحد زوايا المكان و أتهمني بالشك في حبه. و الآن لماذا تلك الثورة ؟! أليس من حقي أنا الأخرى البكاء؟!!! هو يعبث كل يوم و أنا أتحمل و أتحمل. كنت في حاجة لمن أبكي علي كتفه. كل ما أردته أن ابكي. و الآن ها أنا أرحل مع دموعي بعد أن استجاب الله لرغبتي. الخميس 22 / 11 /2007
إيمان عزمي
غادريني في صمت
لا تنظري لي هكذا. لا تشعريني أني مقصر. تلك النظرة الضيقة تجعل عقلي يدور و يدور من التفكير. توقفي قليلا عن العتاب الصامت. فلست أملك سوى رد الصمت بالصمت. تريدين أن أرد علي تساؤلاتك الحائرة علي شفتيكِ. تريدين أن تعرفي لما أنا منزويا في منزلنا منذ سنة؟ لا هم لي سوي الجلوس أمام تلك الآلة الكئيبة التي تعتقدين أني أعشقها و أفضلها عنك ِ. تريدين أن تعرفي سر صمتي المتواصل ها هنا في ذلك المنزل الذي يحتوينا منذ سنوات. ماذا تريدين أن تعرفي أيضا؟ أطلقي العنان لأسئلتك كي أجاوبك ِ. أنطقي بما يأبى لسانك علي النطق به. عاتبيني لو أحببتي. اصرخي لو أردتي. و لكن أرجوك ِ أن تتوقفي عن تلك النظرة القاتلة. .~.~.~. ها قد ماتت سنة أخرى في حياتي و أنا مغروسا في تلك الجلسة الكئيبة . أتطلع حولي في الفراغ لأرى الحوائط تجاوبني على تساؤلاتي العقيمة. أي سر أخبئه عنكِ؟! كم أتمنى أن أخبركِ كيف بدأ الأمر؟ كم أتمنى أن ابكي بين ذراعيك ِ و أقول أنى أجبرت على الاستقالة من كل شيء. أجبرت على الانتحار من طابور العاملين لأموت رويدا رويدا في طابور العاطلين و ... كم الأمر قاسي و مهين . آه من تلك الأيام . كل يوم اغادرك ِ في نفس ميعاد عملي للبحث عن وظيفة جديدة. عن حياتي التي قتلت في لحظة دون ذنب. لو كان بيدي شيء لقتلت قاتلي الذي أنزلني من عرشي مرتين. ساعات من البحث المتواصل. اتصالات لا تنتهي بالشركات و مقابلات شخصية لا حصر لها. الكل لا يصدق أنه تم الاستغناء عنى دون سبب. الكل بلا استثناء يعتقد أنى احمل بين طيات نفسي مصيبة جعلتهم يلقون بي خارج مملكتى. تسألين كيف لم تشفع عنك سيرتك الذاتية؟! أي سيرة تتحدثين عنها. إنها هباء في هباء. كل يوم أتلقى وعود بالوظيفة. كل يوم احلم بغد مشرق. كل يوم اصبر نفسي أنى سأعمل و سأعمل و سأعمل. لكن في نهاية كل يوم يموت الأمل عند جفوني. تنتحر الأحلام في عقلي. لا شيء يتغير حولي. سنة كاملة من البحث. سنة من الفشل. سنة من تحطيم الآمال و الأحلام. لكنى لم أيأس . ظللت متمسكا ببصيص الأمل الواهي. تلقيت المكالمة التي أريدها. أتعرفين أين عملت. بعد سبع سنوات من العمل المضني بدأت من الصفر. بدأت من تحت الصفر. مندوب مبيعات في شركة تسويق أدوات منزلية بلاستيكية بعد خمس سنوات من نقش الصخر في كلية الهندسة و سبع سنوات عمل كمهندس. بعد 12 سنة من العمل المتواصل هذا هو مصيري لم يكن أمامي أن أرفض. فلو كنت املك المال لأنشئت شركتي الخاصة. ستقولين لا يهم. ستقولين لا يهم الوظيفة المهم أن تعمل. المهم ألا تجلس تلك الجلسة للأبد. و سأقف بجانبك. ستتحسن الأوضاع و تعود لي زوجي الذي أعرفه. لا داعي لأن تقولي شيء، فقد قلت كل شيء لنفسي و أكثر. سنة أخرى و أنتي لا تعلمين شيء عن عملي الجديد. سنتان من الذل و المهانة من أجل البقاء حيا.. لا من أجل الإبقاء على كرامتي و لكن لأبقى على كرامتك و على أسرتنا. لطالما راودنى الأمل في تغير الحال لكن الأمر الآن محال، لطالما اعتقدت أن في المستقبل سيكون لي مستقبل. لكنى كنت واهم. سنة ثانية مرت و أنا على نفس المنوال. كل يوم أتجرع مرارتي وحدي. كل يوما أتلقى إهانات جديدة. حتى طفح الكيل. أتذكرين يوم أن تأخرت عليك منذ عام و غبت عنك ِ يومين. أتعرفين أين كنت؟ كنت حبيس نفسي المقهورة. كنت حبيس صدمتي الأبدية. كل ما فعلته لم يجدي نفعا. كل يوم كنت ألاقى ألوان و ألوان من البشر حتى كان ذلك اليوم الذي مات بعده كل شيء بداخلي للأبد. .~.~.~. قبل الظهر بقليل صعدت إلى احد المنازل كعادتي اعرض منتجات الشركة، لم أكن قد حققت أرباح منذ أسبوع. حتى الوظيفة الوحيدة التي قبلتني كانت قد قبلتني اسما، فكثيرا ما فشلت في تسويق بضاعتي و لولا رأفت صاحب العمل بي لكان قد ألقى بي هو الأخر في الطريق و ليته فعل. أسبوع و أنا أسير كالتائه . أسير حتى ترغمني قدمي على التوقف. اصعد أبراج و انزل عمارات دون جدوى. حتى كانت تلك العمارة المشئومة. كنت أتجنب الاقتراب من الحي الراقي الذي نسكنه، فكرست جهدي لممارسة عملي في الأحياء الشعبية البعيدة عنا. طرقت الباب على أول شقة فلم يأتيني الرد. صعدت للشقة الثانية و طرقت دون جدوى أيضا. تسرب اليأس إلى نفسي و كدت أغادر العمارة و ليتني فعلت. ليتني استسلمت لإحساسي الذي ساورني بالخوف من المجهول. ليتني اعتقدت أن لدي الحاسة السادسة لحدوث الكوارث. لكنى الآن مؤمنا أنه لا مجال لكلمة ليت في قاموسي، فقدري محتوم محتوم. ست شقق في العمارة رفضت إجابة توسلاتي لها بمساعدتي. ست شقق لم يكن يسكنها احد. دون أن اعرف. لكنى كنت مصمما على النجاح كنت اجري وراء سراب الأمل حتى جاءت الشقة الأخيرة. طرقت الباب فلم يأتيني رد. ثم طرقته مرة أخرى في يأس و مع تلك المرة فتح. اتسعت ابتسامتي في وجه المرآة التي فتحته. ابتسامة بائع لمشترى و لكن هل تعرفين؟ اكبر حماقة أن ابتسم في وجه من لا اعرفه. .~.~.~. أمازال لديكِ الفضول لمعرفة الأمر؟ أمازلتى على استعداد لسماع أناتي؟ بالله عليك أريحيني و اتركيني وحدي. .. دعيني في دائرتي المفرغة حائرا. دعيني أعتنق اليأس خيرا من الجنون. و لا تحرميني من لحظات هروبي. اتركيني أتشرب من عذابي وحدي. أن أسكن حزني وحدي. أن أتمزق بغربتي وحدي. يكفيك ِ ما عرفته. توقفي عن ملاحقتي بالاستكمال، فما عاد ذلك اللسان قادر على الاستمرار. ما عاد ذلك القلب يرغب في رؤية الإشفاق على وجهك . كم ارغب أن أمزق ذلك اليوم من دفتر حياتي . أن أتبرأ من نفسي . أن الهث هربا من ذاتي. تصرين على معرفة الأمر. لماذا الآن؟! اطفح كيلك أمام هجري أم هو حب معرفة المصير؟! أتريدين أن تطحني من التفكير كل ليلة مثلي. تريدين أن تكوني ظلي البائس. أن تشاركيني في عذاباتي. أن تضعي ابتسامة مرسومه على وجهي. موهومة أنت ِ لو ظننتي أن كلامي سينهي عجزي. و أن كلامك سيغير حزني. موهومة لأنك ِ ستظلي سبب حزني. من اجل سنوات مضت بيننا لا تسألي فما عدت قادرا على البوح . ما عدت ذلك الرجل. ما عدت رجل. فقط غادريني في صمت.
إيمان عزمي
تفاصيل
حاول أن يجبر جفنيه على الارتخاء علّ النوم يحاصر عينيه دون جدوى. سنتان من الصراع كل ليلة مع نفسه علّه يتعلم النوم و لكن دائما ما يجني الفشل. أعتدل في رقدته و هو يتأفف من جهاده اليومي مع النوم. تعلقت عينيه بها، فانتفض من رقدته و تناولها و ضمها إلى صدره و أطبق عليها حتى لا تغادره .. لكن سرعان ما أعادها إلي الحائط بعد ما تسللت الدموع إلى خديه. تطلع إليها فأرتجف قلبه كعادته كلما غاص بنظره في تفاصيل صورتيهما معا. ثم أغمض عينيه لا لينام فالنوم منذ فراقها عدوه اللدود. فقط كانت محاولة فاشلة أخرى له للهروب منها. سنتان وهو يحاول أن ينسَ. ينسي أول ضحكة، أول همسه، أول لمسة، أول قبله، أول ليلة جمعتهما معا في تلك الغرفة. أول شارع سارا فيه معا و هي تتأبط ذراعه و تضحك ضحكتها العذبة قائلة: _ أخيرا أصبحت زوجي. أول مطعم تناولا فيه غداءهما و هما زوجين و أخر وجبة لهما. أول مصيف و أخر مصيف. سنتان تطارده ذكرى تلك الليلة. تطلع بعينيه و قد تقرحتا من طول السهاد إلي السرير حيث كانت تضحك للمرة الأخيرة. كانت تضحك بهستيرية لم يعهدها فيها من قبل. كانت تصرخ مالئة الغرفة بصخب كصخب الأطفال. تضحك و تقبل جبينه ثم تضحك و تعود و تقبل خديه و تضحك و .... حاول أن يجاريها في سعادتها يومها لكن حزنا غريبا تسلط علي قلبه و أحتل نفسه. سألته كثيرا عن سر عبوسه و هي تداعبه علّه يضحك لكنه لم يكن يفهم، فكيف يشرح؟! حاول أن يفسر الأمر لنفسه لكنه لم يكن يعلم يومها أنه يشعر أن تلك هي .. ليليتها الأخيرة معه. مازال يراها كل صباح بنفس الرقدة. كان عليها أن تكون في المطبخ تعد له الطعام لكنها ذلك الصباح ظلت راقدة دون حركه. كلمها فلم تجاوبه، اشتاط غيظا فهو لم يتعود منها الهجر. أمسكها بعنف من ذراعيها لكن يده المفزوعة من برودتها سقطت في الحال جواره. رحلت في هدوء و لم تعطيه الفرصة كي يتأسف.
.~.~.~.
أزاح ستائر الغرفة. و سرح ببصره عبر النافذة الزجاجية. هنا كانت تنتظره كي تراه و هو عائد من عمله. و تنتظره و هو عائد ليلا بعد سهرة مع أصدقاءه. لم تعاتبه يوما على إهماله لها. و لم تشتكيه لأحد قط و رغم ذلك تعودت على شكوته المستمرة منها. دلف إلي ( البلكون ) و جلس على المقعد الخشبي الوحيد بها. أحس بكيانها يخترقه. فعلى ذلك المقعد كانت تجلس وحيده أغلب الوقت تفكر فيه و في تنظيم حياته. لم يستطع أن يتحمل إحساسه بأنها كانت هنا أياما و ليالي وحيده صابره عليه. هرب سريعا إلي غرفة المعيشة. كان السكون هو صاحب الأمر و النهي في المكان، فتحرك على أطراف أصابعه كأنه خائفا من إيقاظه فلم يكن هناك أحد في الشقة معه غيره. تطلع إلى الصمت للحظات لكنه لم يستطع أن يكتم ضحكة هربت من فمه لتسخر من نفسه. تذكر همساتها: _ أريد طفلا منك. و تذكر عنده كي ينعم بهدوئه: _ لا. فتح التلفاز كي يسمع صوتا غير صوت أنفاسه الغاضبة منه لكن.. حتى التلفاز تعلم عنده و أذاع تلك الأغنية التي عشقتها يوما. أغلقه بعنف و وقف يبحث عن ركن لا يحمل ذكرها لكن هيهات. الآن تيقن أن وقته معها قد مات. **************