إيمان عزمي
السير في طريق الجنون

ظننت أنها ستفقد وعيها من كثرة ما انهمر علي خديها من دموع. كدت أقسم أن تلك المخلوقة أضعف من قابلتهم من البشر. أمسكت بقلبي محاولا منعه من الصراخ من أجلها. كل ذلك الحزن القابع في عينيها يجبرك على التأوه بالنيابة عنها و هكذا فعلت. اتشحت بالصمت لأيام و أنا أراها في طريق ذهابي و إيابي من العمل. غريب أن نصل كل يوم في نفس اللحظة إلى نفس المكان. منذ متي و نحن نتقابل صدفة؟ لا أتذكر. ربما منذ أشهر و أنا لا أشعر. ستسألني كيف لم تشعر بالأمر و هو منذ أشهر؟! و ما أسهل الإجابة، فرؤيتك لامرأة في محيط سكنك كل يوم هو شيء عادي، فربما تسكن في نفس المنطقة .. لكن أن تري كل يوم أمامك امرأة تبكي دون أن تداري دموعها عن فضول المارة هو حتما أمر لافت للانتباه. للمرة الأولي في حياتي يجرفني فضولي نحو امرأة. فقد كانت المرأة في عيني هي المخلوق الأدهى و الأغبي و الأعمي و الأهوج. ساحرة القلوب و العقول، لكن سحرها أسود لا محالة. معلمة الشيطان و أمهر مروضة لجنس الرجال. هي تسونامى الحياة، الخوف و الغضب، الصخب و الجنون. هي أبعد ما تكون عن الحنان و الأمان. فهكذا علمتني القصص. قصص أصدقائي الذين سحقتهم نساء لا يحملن بداخلهن قلب و لكن يحملن أفمام مصاصات دماء. دماء أراقها أصدقائي في حبهم الموؤد علي أيديهن، بل موؤد أسفل أقدامهن الناعمة في ظاهرها القاسية في وطأتها. ظلت تلك هي رؤيتي لسنوات حتى عرفتها تلك الباكية. كانت هي البادئة لكل شيء. بدءا بطلب منديل لتجفيف دمعها و أنتهاءا بإغمائها بالقرب من كتفي لأذهب بها لأقرب مستشفى و أنا لا أعلم أن تلك هي بداية نهايتي. فخلال يومين تسللت إلي داخلي و توغلت في بهدوئها دون أن أشعر و ... و عشقتها كالزهرة في صباح ندى. كالعطر في ليلة عشق، كالعذراء في ليلة عرس. كانت كل لغات الحب. و كل دموع الشوق. كانت زخات المطر لصحراء جدباء يطلق عليها خطأ أسم قلبي. كانت حورية استطاعت أن تخرج ذلك المدعو قلبي من تصوفه الأبدي. نعم كانت و كانت و كانت. فلم يعد لي سوى تلك الكلمة لألصقها بكل جملي، و لأدرجها في كل سطوري، لأتشبث بها في كل أحاديثي. و الآن دعك من السؤال فالقلم سيخط كل ما يحفظه من أحداث، فقط كن صبورا صديقي الذي لا أعرفه و لا أتمنى أن أعرفه، فيكفيني ما عرفته من بشر ليسو ببشر حتى تلك اللحظة. و الآن لتكف قليلا عن جعلي أثرثر فيما لا يفيد، فلدي الأهم لأقصه عليك. فهل أنت على استعداد أن تستمع لقلب مطحون من آلة أشد طحنا من آلة طحن البن و أشد قوة من آلة طحن الحبوب. إذا كنت مستعدا فلتجلس جيدا على مقعد مريح حتى لا تطحنك آلامي و كلماتي كما طحنتني تلك التي كنت أطلق عليها الحياة. .~.~.~. أين توقفنا في حديثنا. نعم تذكرت توقفنا عند توغلها في نفسي دون أن أشعر. أتعرف هل جربت أن تترك نفسك لموجة البحر لتلعب بك كيفما تريد و تذهبك أينما تشاء؟ ربما فعلت ذلك مرة أو مرتين و أنت تعتقد أنك تعيش المتعة كما لن تعيشها لو قاومتها و لكن دعني أحذرك صديقي فما تراه اليوم ممتعا ربما يذهب بعقلك في الغد بل ربما يطيح بك إلي غيابات الدنيا، لترقد في القاع دون أن تجد وسيلة للعودة ليس للهو و ليس للمتعة و لكن فقط للسطح، سطح هادئ تشعر معه أنك مازلت حيا و تحمل لقب إنسان. .~.~.~. كنت قد وصلت مع حوريتي كما كنت أحب أن أدعوها إلي ألا حدود و عرفت خلال أيام ما غاب عني سنوات. كل ذلك دون أن أعرف سببا لبكائها الذي جرفني إليها، فقد كان يكفيني أنى رأيت ابتسامة طفل على ملامحها الشديدة الأنوثة، تلك الملامح التي لم تلوثها يوما بالماكياج أمامي و رغم ذلك كم أتمنى اليوم لو كانت لوثتها بالماكياج بدلا من تلويثها برزاز شفاهي المتلهفة دائما لما هو أكثر من مجرد قبلة. هل يمكنك أن تتركني قليلا يا صديقي لأستنشق بعض الهواء النقي. كم أتمنى أن أنقع في النقاء للأبد. أتعرف ماهية النقاء؟ ربما لو كنت قد عشت مثلي لعرفت، و لكن خير لك ألا تعرف حتى لا تعيش مثلما كنت. أعتقد أنني لو تركت لنفسي العنان الآن ما أكملت لذا دعنا نعود لحديثنا الممل عما حدث لي أو بمعنى أصح عما فعلته بنفسي. و ساعدني علي عدم التوقف مرة أخرى فربما تكون المرة القادمة توقف إلي الأبد. كنت كما أخبرتك من قبل قد وصلت معها إلي ألا حدود و بينما نحن في ألا حدود إذا بها للمرة الأولى تقول: _ سأسافر غدا في مهمة عمل. للمرة الأولى تأتي علي ذكر العمل فكل ما قالته لي في بداية تعارفنا أنها تعمل في شركة و أطلقت من فمها مسمى وظيفي باللغة الفرنسية التي تجيدها و لم أسألها يومها عن المعني حتى لا أظهر بمظهر الجاهل. فقد كنت لا أفقه كلمة واحدة في تلك اللغة التي اضطررت لدراستها و أنا في المرحلة الثانوية لتختفي من حياتي لسنوات حتى تعود للظهور علي يدها و هي تنطق ببعض تعليقاتها عليا بها. كنت أشعر بالفخر رغم عدم مفهمي المطلق لأي من تلك التعليقات فليس المهم الفهم و لكن المهم أنها كانت تتغزل في بلغة أخرى غير اللغة التي حفظت مفردات غزلها من كثرة ما شاهدت من أفلام عربية سواء في شاشات التلفزيون و السينما أو شاشات عرض الحياة في كل شارع سرت فيه علي أرض المحروسة. و للمرة الأولى منذ ألتقينا أدركت أنني سأفقدها. لم أعرف لما انتابني ذلك الشعور يومها و لكن ربما لآن روتيننا اليومي الذي استطاعت أن تجعله كجرعة أفيون لا يمكن الاستغناء عنها سوف يختل بمجرد سفرها. بدءا بدقة الساعة في يدي و أنا أطرق عليها بابها في العاشرة مساء و أنتهاءا بدقة الساعة لتعلن انتصاف الليل و ضرورة رحيلي كأني اتخذت موقع سندرلا في أرض الواقع. و لم تكن تلك الساعتين التي أستنشق فيها رحيقها بالقليل كما تعتقد، فهي تستطيع أن تصبح كل فصول العام في نصف ساعة و أن تصبح كل نساء الأرض في ساعة فما بال ساعتين. و علي الرغم من رفضها المتكرر لتغيير ذلك الروتين إلا أنني لم أتزمر فقد جعلتني لا أقدر علي إغضابها و لو بنظرة لذا استسلمت راضيا بقرارها. _ تسافرين؟! انتفضت من مكاني و قد تزاحمت الأسئلة في عقلي محملة بكل كلمات الاستفهام: _ لماذا؟ كيف؟ لمتي؟ أين؟ ... حاولت تهدأتي بإحدى ابتساماتها الساحرة لكن الصدمة كانت أكبر من أن تؤثر فيها ابتسامتها. كنت كمن ألقي عليه قرار إعدامه و هو نائما في حضن سريره دون أن يعرف تهمته. لذا ارتديت ملابسي بسرعة لم أتوقعها و جلست دون حركة على الرغم من مغادرتها السرير بصورة تجعلك لو كنت مكاني كحمم لافا متدفقة في شتاء القارة القطبية الجنوبية. لكن رغم ذلك كنت كشتاء كوكب بلوتو التي لا تصل إليه حرارة الشمس أبدا لتدفئه. مرت دقائق حتى استطاعت بعد جهد أن تعيدني إلي حيث بدأ الحديث. و لا أخفيك سرا أنني كنت أقاوم مجهوداتها لتبذل جهدا أكبر يعوض صدمتي حتى استسلمت أخيرا بعد أن أقنعتني أنها تتمزق منذ لحظة معرفتها بالأمر، فأشفقت علي ملاكي الصغير من العذاب بعد أن ذقته طوال اللحظات السابقة، ذلك العذاب الذي كنت أراه اقصي عذاب يمكن أن يغرز في قلب إنسان. لذا طبعت قبلة صغيرة على جبينها و قلت بسعادة من استخرج الحل من مجرة كونية أخرى غير مجرتنا: _ فلنتزوج و دعك ِ من العمل. كانت المرة الأولى التي يدخل فيها لفظ الزواج حوار بيننا و اعتقدت أنها ستكون أسعد مني بالأمر، فلم أكن أملك سوي الاستعداد المعنوي للزواج أما المادة فهي أبعد ما تكون عن يدي. لكنها بدلا من موافقتها غادرت السرير و ارتدت ملابسها على عجل و قبل أن أستوعب رد فعلها كانت واقفة عند الباب، قائلة و هي تفتحه: _ لست مجنونة حتى أتخلى عن مفتاح الخزنة زوجي أما من هم مثلك فما أكثركم. و تركتني و غادرت المكان. .~.~.~. تريد أن تعرف شعوري في تلك اللحظة؟ لن أخبرك، فأنا نفسي لا أتذكر ذلك الشعور، بل لم أستوعب كينونته حتى الآن. فقط كل ما عرفته بعد ذلك بسنة حين فقت من غيبوبتي أنني كنت قد مزقت عقلي بيدي و أنا أخطو أولي خطواتي داخل تلك الشقة التي لم تكن سوى شقة مفروشة مدفوعة الإيجار لمدة شهرين. و الآن بعد أن أخبرتك بقصتي معها، هل يمكنك أن تتركني لأنعم بذلك الهدوء الأبدي؟ فلا تطالبني بالحضور إلي جلسات العلاج مرة أخرى، فأنا لا أبغي الرحيل من تلك الغرفة. و لا تقلق يا صديقي يمكنك أن تكتب في تقريرك الطبي مجنون دون أن يعذبك ضميرك. فكل ما فعلته هو السير في طريق الجنون.
إيمان عزمي
مصيـبـــة
اندفع إلي الغرفة صارخا و هو يكاد يمزق الهواء أمامه، فانتفضت مبتعدة عن طريقه حتى التصق ظهرها بالحائط دون أن تجرؤ على الكلام، بل لم تجرؤ علي أن تتحرك قدر أنملة من مكانها. فقط حاولت أن تستقرأ بعينيها ما يبحث عنه. أما هو فلم يعبأ بذعرها بل ظل يصرخ قائلا: _ إنك ِ لا تفقهين شيء. عن أي شيء يتحدث؟! لم تجد بعد تفتيش عقلها ما يمكن أن يرشدها لسبب ثورته تلك. فكل طلباته تتحول لديها إلي أوامر تنفذها كعسكري أمن مركزي و رغم ذلك لم تنزع يوما أنوثتها عنها و هي بين يديه. لم يساهم صمتها في حمايتها من اندفاعه ناحيتها و جذبها من معصمها و دفعها للجلوس علي السرير لذا قررت أن تتسلح بالكلام لكن لإشارة يده أوقفت فمها قبل أن يتحرك. جلس أخيرا علي مقعد السرير. أرادت أن تجفف عرق وجهه بيدها لكنها تعلم كم يبغض ذلك التصرف حين يكون ثائرا. لذا اكتفت بأن ربتت بيدها علي يده قائلة: _ عزيزي... و قبل أن تكمل كانت حرارة يده التي تكفي لإنضاج أثلج طعام في دقائق جعلتها تشهق: _ يا الله. أزاح كفها عنه، فوفقت تبغي التصرف سريعا لخفض حرارته لكنه جذبها من يدها و أجلسها مرة أخرى قائلا: _ فلتذهب صحتي للجحيم. و أمام جملته الأخيرة استسلمت له ليصبح الصمت هو صاحب الكلمة الأولى بينهما لدقائق. حاولت أن تستخدم خبراتها السابقة معه في القضاء على ثوراته لكنه قال: _ أين هو؟ _ ماذا؟! _ قولي من؟ المحروس .. ابنك بالطبع. تمنت لو تطالبه بالكف عن مناداته بذلك اللقب. أليس هو ابنه أيضا؟ لكنها أمسكت لسانها قبل أن ينطق ، فالموقف لا يحتمل مثل ذلك الكلام ثم قالت: _ في الجامعة. الآن تستطيع أن تتبين سبب ثورته. لابد من أنه ... _ نعم من غيره يستطيع إثارتي بتلك الطريقة فكلما دخلت من بابا الشقة أجده أعد لي مصيبة جديدة. أجفلت الزوجة من كلمة مصيبة. تري ماذا فعل ابنهما تلك المرة؟؟ هي تتذكر مشكلة الأسبوع الماضي حين أخذ السيارة دون أذن والده و عودته في صباح اليوم التالي و كيف كاد ينفجر فيه لولا قيامها بتهدأته، فالوقت كان مبكرا جدا و لن يناله سوي دعوات من سيوقظهم بصوته من الجيران. و تتذكر مشكلة أول أمس حين أخذ بذلته الجديدة ليحضر حفل زفاف صديقه و كيف عاد يومها و قد لطخها بأشهي المأكولات. ترى ماذا فعل اليوم؟؟ سألته فما نالها إلا صراخه في وجهها: _ تسألينني؟! لم و لن تلاحظي شيئا أبدا. تركها و اتجه إلي هاتفه المحمول و اتصل به لكنه ألقاه فجأة علي السرير و قال: _ لقد أغلق ابنك هاتفه حتى لا أعنفه و أطلب منه العودة. ذلك الولد يحب استفزازي. _ بالطبع لا. أنه يحبك. ربما الشبكة هي المعطلة حيث يوجد. _ نعم.. ستدافعين عنه كما تفعلين دائما، أليس تربيتك؟ _ ماذا؟! لن أجاوبك و أنت في هذه الحالة و لكن دعني أذكرك أنك أنت من قام بتربيته. أم نسيت أنك عاقبته على سقوطه في العام الدراسي الماضي بأن أعطيته مصروفا لقضاء أسبوع مع أصدقاءه في الإسكندرية بعد ظهور نتيجته بيوم واحد. و مواقف أخرى كثيرة. و الآن ما سبب كل تلك الثورة؟! نظر لها بغيظ و قال و هو يجز علي أسنانه قبل أن يخرج مندفعا و يغلق الباب عليها: _ لقد أخذ شرابي يا هانم. الشراب الذي سأخرج به.
إيمان عزمي
أبو البنات
_ اصمتي، لم اعد أحتمل. ابتلعت ريقها و قد أنزفتها جملته ثم قالت بعد لحظة صمت: _ هل أكذب عليك حتى لا أجرحك؟! أنت تعلم أنى لا أستطيع أن أخفي شيء عنك. و رغم ذلك لم تكمل كلامها فقد ابتلعت باقي الحوار و غادرت المكان. لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يتجادلان فيها لنفس السبب. لكنها أحست أنه كان قاسيا اليوم عليها لذا آثرت الصمت. لحق بها و جذبها من معصمها و لفها لتواجهه. كانت زخات الدموع تخترق قلبه قبل أن تسقط من مقلتيها، فمسحها بكفه قائلا: _ تعلمين كم أتألم كلما لفظتي باسم رجل غيري. ارتجفت من لمسة يده الحانية فانتفضت خطوات مبتعدة عنه، فلطالما هزت كيانها و أربكتها رغم كل تلك الأعوام. كانت غاضبة من ثورته عليها لكن نظرة حزينة واحدة منه تكفي لتذيب غضبها و لو كان ملئ الدنيا.بل إطلالة واحدة حزينة من عينيه تكفي لتغضب من نفسها طول العمر. كادت أن تنطق لكنه وضع كفه على فمها قائلا: _ لا تنطقين فقد صرخت عينيك ِ بكل شيء. ابتسمت فأشرق وجهها و وجهه و هي تقول: _ و بما صرختا يا أبو البنات؟ أطلق زفرة حارة و تمنى للمرة المليون لو يحذف اسمه من شهادة ميلاده ليكتب بدلا منه لقبه لديها " أبو البنات" جذبها من خصرها حتى قضى على المسافة بينهما و هو يقول: _ يا لك ِ من امرأة. تستطيعين إخماد ثورتي في لحظة بذلك اللقب لتشعلي غيرها. ثم همس قائلا: _ أعشقك ِ أيتها الحورية. و كاد أن يقبلها لولا: _ بابا .. بابا .. _ بابا.. بابا.. تراجعا مبتعدين سريعا للخلف ليجدا ابنتيهما قد حملتا باقة من الورد الصناعي الكائن في مزهرية غرفة الصالون، ففغر فاه الزوجين و قال الزوج و قد جلس على ركبتيه ليضم ابنتيه إلى صدره: _ ما هذا؟! هنا ابتسمت الطفلة الكبرى و قالت بعد أن وضعت قبلة على خد والدها: _ إنه الورد الذي تتصالحا به دائما.